السياحة الداخلية.. مهرجان الشواء
الأربعاء، ٤ يونيو ٢٠١٤
أعيش في مدينة حدودية يصفها أهل الشرقية بأنها منطقة شمالية، وتقول الأوراق الرسمية إنها منطقة شرقية، أي أنني في منطقة على غير وفاق حتى مع الجغرافيا، مدينة تشعر وأنت تشاهدها من الطائرة بأنها وُجدت في هذا المكان عناداً أو «عباطة»، حيث تبدو كصومعة راهب في صحراء الربيع الخالي، إذ تُحيط بها الصحراء القاحلة من الجهات الأربع، وتحيطها الشمس من الجهات الست!
....
شخصياً لا أحمل أي شعور تجاهها، وهي تعاملني بذات الحياد، رغم العقد الذي جمعنا وتقاسمنا من خلاله الملح والملح، وهذا ليس هجاء لها، هو فقط وصف لحالة خاصة بين مخلوقين محايدين تجاه بعضهما، فأنا كما قال الشاعر العظيم محمد الثبيتي رحمه الله: (قَصَائدِي أَينَمَا يَنْتَابُنِي قَلَقِي.. ومَنْزِلِي حَيثُمَا ألْقِي مَفاتيحِي).
....
أما علاقة هذه المدينة بعنوان المقالة فهو إعلان عدد من الجهات الحكومية والأهلية للتجهيز لمهرجان صيفي في الوقت الذي (بشّرنا) فيه الفلكي الشهير الدكتور عبدالله المسند عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم، بوصول هذه المدينة إلى (العالمية) من خلال تسجيلها في أحد الأيام الماضية لأعلى درجة حرارة في العالم لذلك اليوم (45.5)!
....
بالطبع أنا لن أنظر للجزء الفارغ من الكأس وسأقنع نفسي وأتمنى أن أقنعكم بأنه فعلا يوجد كأس نصف ممتلئ، فالجزء الفارغ يجب أن لا يُحبطنا، فما هو إلا نتيجة للتبخر بفعل درجة الحرارة العالمية، الحكاية تكمن في الجزء المتبقي، فيجب أن ننظر لدرجة الحرارة باعتبارها محفّزاً للسياحة وليس العكس، فكل ما نحتاجه هو إعلان قوي لشعب الإسكيمو، فالإسكيمو أو إنويت تعني (الناس الذين يأكلون طعامهم نيئاً)، وكي نضمن أن يكون الإعلان مؤثراً وشيقاً وجاذباً فينبغي أن نسمّى مهرجاننا (مهرجان الشواء الطبيعي)، فكل ما يلزم لتجهيز الغداء هو أن (تربط ذبيحتك) في الشارع لمدة نصف ساعة، وبعد ذلك تحصل على تيس مندي.. وبالهناء والشفاء!
....
ولا مانع أن تكون بعض صيغ الإعلان طريفة -رغم جديّتنا في هذا الأمر- كأن نوزع إعلانا في مكاتب السفر والسياحة الأوربية لمحبي (التشمس) يكون نصّه (نستقبلك أوربياً..ونودعك أفريقيا..والمشروبات الساخنة مجاناً)، أما أن يكون المهرجان مستهدفاً للمواطنين فذلك أمر فيه نظر، بل فيه (عمى) عين و(قيف) أيضاً!
....
ننتقل من الجدّية ونحاول نلج دروب السخرية الوعرة لنسأل: من هو المستفيد من إقامة هذه المهرجانات المُملة منذ سنوات بنفس الأسلوب البدائي؟ ومن هو المستهدف بهذه المهرجانات؟ وما الذي يدفع الجهات الحكومية والأهلية لتبني ورعاية هذه المهرجانات؟
....
الحكاية البسيطة لدرجة الإقناع تقول إن المهرجان غير مكلف للجهة المنظمة، فكل ما يلزم لإقامة مهرجان صيفي هو وجود حصان عجوز (كديش)، وشاعر شعبي (دون كيخوتي)، وفقرة توعوية لطريقة غسل الميت، ومُنشد يجهل الشعر والغناء، ثم تُسجل هذه (الفعاليات) فيديو وتُرسل لهيئة السياحة مرفقة مع تكاليف المهرجان.. هل أجبنا على بعض التساؤلات أعلاه؟!
في المحصلة نحن ندعو ونقيم المهرجان لأننا اعتدنا على ذلك فقط، أما الحقيقة فإننا لا نملك من مقومات السياحة الداخلية شيئاً بالمُطلق، وفوائد السياحة الخارجية كثيرة جداً، لا من ناحية المصاريف ولا من ناحية مساعدة شركة الكهرباء، الأهم أن لا نصدق من يوحي بأن السياحة الداخلية
مطلب «وطني»!