آدم بين مصطلحي (البشرية والإنسانية)
الثلاثاء، ٣ يونيو ٢٠١٤
كنت ضمن الحضور في نادي أبها الأدبي للاستماع إلى محاضرة الدكتور صالح الحمادي، والتي كان عنوانها المقرر مسبقا (المجتمع العسيري في العهد السعودي)، وقد كان العنوان مثيرا وجاذبا لكثيرين رأوا في الموضوع ما قد يشبع رغباتهم ويروي ظمأ تطلعاتهم وشغفهم، لفهم واسترجاع تاريخ منطقة عزيزة من بلادنا.
بدأ الحمادي محاضرته وكأنه عالم جيولوجيا أو أنثروبولوجيا بأن أعادنا إلى النشأة اﻷولى لحياة كوكبنا اﻷرض، فبدأ بذكر الجن والعفاريت والمردة في محاولة منه حسب فهمه لتأصيل الموضوع تاريخيا عبر العودة إلى أزمان سحيقة ﻻ يقوم تفصيلها أو محاولة فهمها إﻻ على اﻷساطير والخرافات.
كنا جميعا في حالة من الذهول والصدمة لهذا التأصيل الغريب والعجيب في سياق يخالف العنوان المنتظر. وماهي إﻻ لحظات ويفاجئنا الحمادي بقنبلة جديدة ارتعدت لها ركبنا وفرائصنا قائلا: آدم ليس أبا البشر بل هو أبو اﻹنسانية، مستدلا بأقوال المقريزي والجبرتي وما قرأه في اللاهوت، ليكون كل ذلك ومجموع شواهده أدلته على تلك المعلومة الغريبة والعجيبة.
لم يستطع خلال المحاضرة أن يسوق دليلا عقليا أو نقليا يثبت صحة ما قاله، وعند الدقيقة 12 من عمر المحاضرة التي أعدت مشاهدتها وقع في خطأ غريب ناقض به نفسه فيقول ما نصه:(تجانس البشر مع بقية المخلوقات وأصبح -اﻹنسان- يتنقل بين اﻷسود والثعابين والحيات)، وهو هنا يتحدث عن اﻷرض قبل نزول آدم عليه السلام، فكيف يقول مرة بتجانس البشر؟ ثم يعود ويقول يصبح اﻹنسان! إذا لم يكن كلا الوصفين لديه لشيء واحد وفي سياق واحد.
واستمرار لهذه المغالطات وتحديدا عند الدقيقة 14 يذكر قصة قابيل وهابيل، وكيف قتل أحدهما اﻵخر؟ ويستمر في القول:(وعندما شاهدت الحيوانات هذه الوحشية في هذا التصرف، انصرفت هذه الوحوش إلى الغابات)، ثم يردف قائلا:(وبدأت الحياة البشرية منذ عهد آدم وذريته). فإذا كان آدم كما يقول هو أبا اﻹنسانية، فكيف يناقض نفسه في المقال والمقام السابق ويرى أن عهد البشرية قد بدأ من تلك اللحظة؟ وهذا يؤكد تداخل المصطلحين لديه فتارة يجمعهما كشيء واحد وتارة يفصلهما في اللغة والاصطلاح.
وبعد سرد تاريخي طويل وصل بالتاريخ وبنا إلى عسير في العهد السعودي، ولكنه وللأسف لم يذكر لنا صورة واحدة تتفق مع عنوان المحاضرة وآمال الحضور، إضافة إلى أن الحضور لم يتح لهم التداخل والسؤال مع المحاضر الذي آثر الخروج باكرا تاركا الجميع في بحور من التساؤﻻت والغموض والمفاجأة.
إن الحمادي وفي ثنايا حديثه المتناقض ذلك المساء مزج وخلط بين مصطلحي اﻹنسانية والبشرية من خلال أمثلة تدحض أصل فكرته وتصادرها، إضافة إلى أن الموضوع وهو يمس شيئا مقدسا ممثلا في آدم عليه السلام كان لزاما عليه أن يؤصل الموضوع بأدلة نقلية وعقلية تثبت صحة كلامه، وإن كان عنوان المحاضرة في أصله لم يكن يحتاج إلى كل هذا السرد من المغالطات، وإن كان تركها واجبا ﻷن جهلها أو معرفتها يظلان في ميزان اﻹيمان وكماله سواء، أما ابتداع ما ليس له أصل في الدين أو العقل ففيه تضليل وربما إثم يبوء به صاحبه.