هل "التلفزيون" حلال و"السينما" حرام؟!
الثلاثاء، ٣ يونيو ٢٠١٤
أيام حرب الخليج قبل عقدين كان والدي رحمه الله حريصاً على متابعة الأخبار، وعندما بدأت القنوات الفضائية تدخل إلى المنازل على استحياء، كان من يقوم بتركيب “الدش الفضائي” يتخفى مثل “الجاسوس”، حتى الحديث حول الصفقة في الهاتف كان بالألغاز وكانت الأسعار مرتفعة وتصل لمئة ألف ريال لبعض أنواع “الدشات”. وعندما قمنا بتركيب أول “دش” في الحي كان الأهالي والأصدقاء “الملتزمين” يناصحوننا في المسجد بوجوب تكسير “الدش” القابع فوق سطح منزلنا ولم يكن أمامنا سوى أن نتقبل نصيحتهم ونخبرهم عن رغبتنا في متابعة الأخبار في تلك الفترة “الحرجة” على قناتي “سي إن إن” و”إم بي سي”. وكانوا يتقبلون رأينا على مضض.
دارت الأيام وأصبحت الفضائيات في كل مكان وبات بعض إخواننا وجيراننا “الملتزمين” الذين كانوا يحاربون “التلفزيون” لديهم فضائيات ناجحة ويملؤون القنوات والبرامج ظهوراً وضجيجاً. اكتشف الجميع بعد زمن أن التلفزيون “وسيلة إعلامية”، والوسيلة عبارة عن “وعاء” يحمل “رسالة”، قد تكون “منحلة” وغير أخلاقية وممكن أيضاً أن تكون “ملتزمة” ومحترمة. واكتشف الجميع بعد سنوات أنه من الممكن أن يُستخدم “التلفزيون” في بث رسائل وأعمال الخير. وبعد تحريم “التلفزيون” ومن ثم تحريم “الفضائيات” و”السينما” شاءت الأقدار أن يقتنع البعض بإمكانية الاستفادة من “التلفزيون والفضائيات” ولكن بقيت “السينما” في دائرة العيب والحرام وحدها.
ولا أدري لماذا تُحارب السينما في السعودية ولا يُحارب الآن “التلفزيون” الذي يدخل كل بيت وتشاهده كل فئات المجتمع؟ أسئلة تدور في ذهني حول وضع “السينما” في السعودية ولا إجابات مقنعة تذكر. والحقيقة أن منع “مهرجان جدة السينمائي الرابع” قبل انعقادة بيوم واحد فقط منذ عدة أعوام كان له أثر كبير جداً في ارتداد هذا الفن إلى الوراء في المملكة بعد أن كان الجميع متفائلا بقرب انفراجه لهذا الفن القوي. ولكن حدث ما لم يكن متوقعا ولكنه لم يكن مستغرباً على من يعتبر “السينما” حراماً في المجتمع. وللأسف صودرت أحلام السينمائيين الهواة في السعودية بهذا المنع الذي كان قاطعاً ونهائياً في ذلك الوقت وعاش بعدها السينمائيون السعوديون على أمل أن يعود مهرجان “السينما” مرة أخرى ولكن دون جدوى تذكر.
وللأسف إن نظرة سريعة على بعض القنوات الفضائية “المنحرفة” تؤكد أن هذه التي يُسمح لها بدخول كل بيت في المجتمع هي من يستحق أن يراقب وربما يمنع نهائياً وليس “السينما” المحترمة التي تؤدي دورها الثقافي والتنويري بأدب وأخلاق، هذه المفارقة بين السينما وبعض القنوات الفضائية الخارجة عن الذوق العام تجعلني أضع يدي على رأسي وأقول باللهجة المحلية: “السينما أرحم من بعض الفضائيات يا جماعة الخير”. ولكن يبقى الأمل في أن يحدث للسينما ما حدث للتلفزيون الذي كان حراماً عند البعض وأصبح حلالاً بعد سنوات ويتسابق إليه الجميع، فهل يأتي اليوم الذي تُصبح فيه “السينما” في السعودية حلالاً ونستفيد منها لعرض ثقافتنا وقضايانا وفننا أمام العالم؟