تسونامي اليمين يغير أوروبا
الاثنين، ٢ يونيو ٢٠١٤لسنوات قد تطول، علينا أن نستعد للتعايش والتعامل مع آثار أكبر «تسونامي» ضرب أوروبا في 25 مايو 2014، وهو نجاح أحزاب اليمين الأوروبي واكتساح اليمين المتطرف فرنسا تحديدا، وهي أكبر داع للتنوير والتعددية والحرية والإخاء والمساواة في العالم، فضلا عن دعمها الأبرز للوحدة الأوروبية تحقيقا لحلم الفيلسوف إيمانويل كانط بـ»السلام العالمي الدائم».
إن صعود أحزاب اليمين المتطرف للمرة الأولى في التاريخ الحديث - في هولندا 12% والنمسا 20% وبلجيكا واليونان 10%، فضلا عن حصول حزب الاستقلال البريطاني المناهض للهجرة والداعي للانفصال عن الاتحاد الأوروبي على 27% من الأصوات أي ضعف العدد الذي حصل عليه عام 2009- يعني أن أحزاب اليمين ستتقدم على أحزاب اليسار والمحافظين مما يسمح لها بتمرير عدد من القوانين والإجراءات التي تصب في صالح أهدافها المعلنة وغير المعلنة، ناهيك عن التحالفات اليمينية الجديدة داخل البرلمان الأوروبي القادم، والذي سيغير الخارطة السياسية للقارة العجوز من خلال الاستحقاقات السياسية الداخلية في كل بلد عضو في الاتحاد الأوروبي.
ويرى البعض أن أوروبا تخرج من أوهام المستقبل وتعود إلى مجرى التاريخ الحقيقي ..إلى الجذور والأصل، وهو تاريخ لم يحمل لنا في العالم العربي سوى ذكريات معظمها سيئ ومؤلم مثل «الاستعمار» والعدوان والكراهية التي تتغذى منها كل موجات «العنصرية» حتى اليوم، والصراع العربي – الإسرائيلي لا يزال شاهدا على ذلك منذ «سايكس بيكو» عام 1916.
لذا لم تكن مفاجأة لنا ولا يجب أن تكون، عودة النزعات اليمينية في أوروبا بعد مئة عام من الحرب العالمية الأولى (1914 – 2014) التي تصالحت أخيرا مع تاريخها هي.
المسؤولية المشتركة
لكن علينا أن نكون منصفين في هذا المنعطف التاريخي الخطير حتى تتضح الرؤية كاملة، فانتشار الأصوليات والتطرف القومي والديني ظاهرة عالمية تكتسح الدول والمجتمعات جميعا – ولسنا استثناء في ذلك – وهي تستهدف الأقليات الإثنية والدينية والطائفية في الشرق والغرب على السواء، وأن التبرير والتهرب من المسؤولية العالمية المشتركة عما وصلنا إليه أو غسيل اليد مما حدث ويحدث لا ينفع أحدا على الإطلاق.
إن تحميل الغرب وحده مسؤولية العداء لكل ما هو إسلامي، ليس خطأ فحسب إنما هو «خطيئة كبرى»، لأن البراءة فيما يحدث الآن وسيحدث غدا ليست من نصيب أحد على الإطلاق.
فقد ساهمت أحداث الثورة الإسلامية في إيران قبل 30 عاما، في إعادة تشكيل المشهد الثقافي في الغرب عبر شعار الثورة باسم الدين، مرورا بزلزال 11 سبتمبر 2001 ، الذي سمي «غزوة مانهاتن»، وتفجيرات لندن ومدريد وغيرها.
وهو ما وفر غطاء لكل من له أجندة معادية للعرب والمسلمين، لينال أكبر شهرة سياسية ويحصل على أعلى الأصوات في أوروبا.
والسؤال الذي يجب أن يطرح هو: كيف سنواجه العنصرية المقيتة والإرهاب والتطرف الذي يتربص بنا جميعا؟ ما هي الخطوات العملية المحددة زمنيا ومكانيا التي يجب البدء فيها وكيف؟ فكيف سنحقق السلام العالمي ونحترم الخصوصية والتعددية مع صعود اليمين المتطرف على ضفتي البحر الأبيض المتوسط وانتشاره في ثلاث قارات على الأقل: أفريقيا وآسيا وأوروبا؟
مفارقة كبرى
نجاح أحزاب اليمين سياسيا في أوروبا يعني أننا أمام «مفارقة كبرى» في عصر العولمة الذي يلغي الحدود ويتجاوز الأطر القومية الضيقة إلى رحابة العالمية، إنه أول تحول غربي في القرن الحادي والعشرين من الجغرافيا السياسية إلى الجغرافيا الثقافية مع انتعاش الهويات والأصوليات التي تعبر عن هذا اليمين الجديد - القديم.
فالذي تغير ليس فقط الحدود الجغرافية وإنما بعض الحدود التي ترسم تضاريس العقل الأوروبي وجغرافيته، والخطورة هنا (قد) تتمثل في عودة الأفكار الشمولية الفاشية والنازية والستالينية بكل تاريخها الدموي وما خلفته من مجازر رهيبة وجرائم في حق الإنسانية، والتي تستند إلى تأسيس نظري – فلسفي ممتد.
1ـ أحزاب اليمين تدين بالفضل – على اختلافها - لأفكار المنظر الألماني كارل شميت الذي صك مفهوما جديدا حول عنصرية الدولة السياسية وفقا للتمييز الدقيق بين الصديق والعدو.
والعدو هو كل ما هو مختلف وشاذ وغريب والذي يجب محاربته.
هذه الفكرة هي التي أدت إلى صعود النازيين إلى السلطة في ألمانيا لبلوغ هذه الغاية ولو بالعنف، وهي وحدة الدولة واستقلالها عن كل ما هو أجنبي وغريب عنها.
أما السياسة عنده فهي أولا وقبل كل شيء: القدرة على استكشاف هذا العدو والتمييز بينه والصديق، ولأن الإنسان برأيه (حيوان خطر بطبيعته) فإن السياسة هي «قدر الإنسان» في هذه الغابة الكبرى (العالم) وهي فكرة «عنصرية « بجدارة.
2ـ إن أفكار شميت لم تنته بنهاية هتلر وموسيليني، إنما ظلت تفعل فعلها وليس أدل على ذلك من اللغط الكبير الذي أثاره قبل سنوات سيلفان غونغهايم أستاذ تاريخ العصور الوسطي في جامعة ليون بفرنسا، حين نشر كتابا بعنوان «أرسطو في جبل سان ميشيل ..الجذور الإغريقية لأوروبا المسيحية»، ويدحض فيه الأطروحة الراسخة التي يؤمن بها علماء الغرب والشرق على السواء، والتي تؤكد أن العرب هم الذين نقلوا الفلسفة الإغريقية إلى أوروبا بدءا من القرن الثاني عشر الميلادي، وكانوا أحد الأسباب المباشرة في النهضة الأوروبية.
لقد جرى مداد كثير - ولا يزال - في الساحة الثقافية والإعلامية في أوروبا، حول الإسهام العربي في الحداثة الغربية، ما بين مؤيد ومعارض وبين بين، وهو أمر يتجاوز الخلاف العلمي والفكري إلى مجال الإيديولوجيا والسياسة، أو بالأحرى، يدخل في باب الحرب النفسية وزعزعة الثقة في نفوس العرب، خاصة المسلمين في أوروبا، فضلا عن أنه يطرح العديد من التساؤلات حول مشاكل «الاندماج» و»الإسلاموفوبيا»؟ ومعروف أن «جبل سان ميشيل» يقع في منطقة النورماندي، وهو يشير إلى فضل العرب على أوروبا حيث وجدت مدرسة «الترجمة العربية» وقتئذ، وكانت بمثابة الجسر الذي نقل التراث الإغريقي لأوروبا ومن ثم قامت بالنهضة ثم التنوير والحداثة وما بعدها.
3ـ كتاب سليفان غونهايم «أرسطو في جبل سان ميشيل» هو إجابة مبكرة أيضا عن السؤال: لماذا نجحت أحزاب اليمين في أوروبا؟ حيث يعود تاريخ طرح هذا السؤال إلى عام 1989 إثر سقوط حائط برلين وانهيار الاتحاد السوفيتي.
فقد ظلت أوروبا بين عامي 1945 و1989 رهينة الثنائية القطبية التي اقتسمت بدورها أوروبا ولعب الصراع بأدواته على أراضي القارة العجوز، وما إن انتهت الحرب الباردة حتى طرح السؤال حول «هوية» الأوروبيين، وهل هناك ما يمكن أن نطلق عليه شخصية أوروبا وأسلوبا وطرازا أوروبيا يسهل تمييزه وسط هويات وثقافات العالم المختلفة؟ ما هي الصيغة الجديدة لوجود الإنسان الأوروبي في عصر العولمة والتي تختلف بالتأكيد عن الصيغة الإمبراطورية – الاستعمارية القديمة؟ وهل انهيار جدار برلين هو عودة أوروبا (كهوية) لنفسها، أم بداية بناء أسوار أخرى من نوع آخر وضد هويات أخرى، غير أوروبية بالتأكيد؟4ـ المنظر الفرنسي فيليب مورو ديفارج، أضاف بعدا مهما في كتابه «العولمة» لمستقبل اليمين في أوروبا، بقوله إن العولمة إذ تنشر في كل أرجاء الأرض مرجعيات وقيما عالمية، تستثير ردود أفعال الثقافات الأخرى التي تشعر أنها مهددة بالزوال..هكذا ينبغي أن تؤخذ مسألة صعود اليمين في أوروبا وتنامي الأصوليات والهويات العرقية والدينية، وفكرة «الصراع» مأخذ الجد، لأن هذه كلها من إفرازات العولمة، وهي تصيب السلام العالمي في مقتل.
فشل الوحدة الأوروبية
صعود أحزاب اليمين في أوروبا هو أبلغ تأكيد على فشل «الوحدة الأوروبية» في تعزيز مكانة الاتحاد الأوروبي على الساحة العالمية كتكتل سياسي واقتصادي في مواجهة الولايات المتحدة ونفوذ القوى الناشئة مثل الصين والهند والبرازيل، خصوصا في أعقاب الأزمة الاقتصادية العالمية 2008، التي غيرت موازين القوى وقللت إلى حد كبير من نفوذ أوروبا، حتى إن هنري كيسنجر، مستشار الأمن القومي الأمريكي ووزير الخارجية الأشهر في مرحلة الحرب الباردة، كان يستخف قبل سنوات قليلة بفكرة «الوحدة الأوروبية»، قائلا: إذا أردت الاتصال مع الاتحاد الأوروبي فلا أعرف مع من سأتصل؟».
شراكة مجروحة
على مدى 60 عاما، مثلت الشراكة النموذجية بين (الولايات المتحدة وأوروبا) قوة وقدرة لكليهما وللعالم برمته.وكان شعار كلنا أمريكيون في مواجهة الإرهاب عقب زلزال الحادي عشر من سبتمبر2001، الذي عنون به جان ماري كولومباني جريدة لوموند الفرنسية، هو الرد الأوروبي لدين أمريكا التي رفعت شعار كلنا أوروبيون خلال الحرب العالمية الثانية. لكن ما يظهر على السطح شيء وما تضطرب به أعماق الأطلنطي شيء آخر.
قبل الحرب على العراق 2003 حدث الانقسام، ليس بين أوروبا والولايات المتحدة فحسب، وإنما قسمت أوروبا نفسها إلى جديدة وقديمة.واستمر ذلك بعد الحرب.وأجبرت التحولات العالمية قادة أوروبا (القديمة والجديدة) على ترميم هذه الشراكة التاريخية المهترئة، لكن دون جدوى.
تراجع النفوذ
فقد تراجع نفوذ أوروبا بعد أن كانت أكبر قوة عالمية قبل 1945، ولم تعد الرهان الأساسي في العلاقات الدولية بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي مع نهاية الحرب الباردة.ومع انهيار جدار برلين 1989، وانفراد الولايات المتحدة بقيادة العالم، ظهر الخلاف الأساسي في الثقافة الاستراتيجية بينهما، خاصة مع ولايتي الرئيس بوش الابن 2000 - 2008 وتوجهات المحافظين الجدد.فأوروبا تخلت عن فلسفة طبعت سلوكها إبان الفترة الاستعمارية التي امتدت أربعة قرون ولم تعرفها الولايات المتحدة، أما هذه الأخيرة فهي تعيد سيرة القوى الإمبريالية العظمى التي تحررت من عقدتها أوروبا. ولم يزد مجيء الرئيس باراك أوباما إلى البيت الأبيض في يناير2009، الأمور إلا تعقيدا، رغم دبلوماسيته الناعمة، فقد غاب عن الاحتفالات الأخيرة بالذكرى العشرين لانهيار جدار برلين واكتفى برسالة عبر شريط فيديو، ولم يبد اهتماما كافيا بالقمة بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة رغم أنها عقدت في واشنطن، واعتذر عن تناول الغداء تاركا مدعويه الأوروبيين مع نائبه جو بايدن، وهو موقف لم يستحسنه ممثلو المفوضية الأوروبية ورئيسها جوزيه مانويل باروزو.
دور الصين
أضف إلى ذلك اعتبار الولايات المتحدة أن القرن الحادي والعشرين هو قرن آسيا والمحيط الهادئ، مما أكد للأوروبيين بما لا يدع مجالا للشك، أن التغيرات في أولويات الإدارة الأمريكية الجديدة تركز أكثر على الجانب الآخر من المحيط الهادئ باتجاه الصين، وليس على الضفة الأخرى من المحيط الأطلنطي (أوروبا)، وجاءت تصريحات كل المسؤولين في أمريكا لتعزز هذا التوجه: الصين شريك استراتيجي يجب أن يلعب دورا أكبر في العالم.
تهديد الأمن العالمي
ما لم يلتفت إليه البعض في صعود اليمين الأوروبي هو التهديد المباشر لمفهوم «الأمن العالمي»، لأنه خارج أوروبا، لا توجد منظمة للأمن، وما تراه من أشكال متباينة للقوة في هذه القارة أو تلك الدولة، هو أشبه بمناورات لاعبي الشطرنج، والمثال الأبرز على ذلك: الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي السابق. ونظام الأمن هو نتاج لعلاقة قوى متحركة دوما، ففي أعقاب الحرب العالمية الثانية، حاول المنتصرون إقامة نظام للأمن لما بعد الحرب، وإجراء حوار دائم بينهم، إلا أن هذا النظام (الحلم) لم ير النور بسبب التناقضات والخلافات بين الغرب والاتحاد السوفيتي. انعكس ذلك على أوروبا تحديدا التي قسمت بين الجيوش الغربية والسوفيتية، حيث توازنت الكتلتان المتعاديتان على أراضيهما، إحداهما تحت قيادة واشنطن (حلف الأطلسي) والأخرى في قبضة موسكو (حلف وارسو)، لكن الصدام (المباشر) بينهما لم يحدث قط، رغم سباق التسلط المحموم وتنافسهما الجيو سياسي، خشية أن يدمرا بعضهما بعضا بفعل التصعيد النووي.
رحم الخوف
في رحم هذا الخوف من المواجهة الحاسمة، ولد نظام أوروبي للأمن واستمر حتى انهيار الكتلة الشيوعية والاتحاد السوفيتي 1989. لكن ذلك لم يمنع من قيام قنوات للتفاوض والتعاون بين الكتلتين، اتسم معظمه بالطابع الرسمي خاصة بين 1973 و1975 (مؤتمر الأمن والتعاون في أوروبا، أو ما يعرف باتفاقية هلسنكي). ومنذ نهاية سنوات الأربعينات إلى نهاية سنوات الثمانينات من القرن الماضي، لم يخرج الأمن العالمي عن هذا التناقض، لكن انهيار المعسكر الشيوعي وتفكك الاتحاد السوفيتي، أنهى في الواقع التوازن بين الشرق والغرب، حيث أصبح النظام العالمي في قبضة دولة عظمى واحدة هي الولايات المتحدة، أما روسيا التي خلفت الاتحاد السوفيتي السابق على المسرح العالمي، فكانت بحاجة حيوية إلى المعونة الغربية لإعادة تعميرها، ومن ثم كان يتعين عليها أن تقبل على مضض صدارة الولايات المتحدة موقتا.الشيء نفسه بالنسبة للصين التي ظلت قوة إقليمية في آسيا، وفي ظل هذا المناخ، أصبح مجلس الأمن هو شرطي العالم، مهمته التأديب والتهديد والإصلاح.والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم بقوة: هل ينهار «جدار برلين» في الاتجاه المعاكس ومعه «اتفاقية ميونخ للأمن» في مرحلة ما بعد الحرب الباردة؟ هل تتجه قارة أوروبا -للمرة الأولى- باتجاه الشرق حيث روسيا والصين والهند واليابان والخليج العربي (أكبر سوق واعد) وأقوى طبقات وسطى صاعدة (3 مليارات نسمة)؟ ربما كانت الأزمة الاقتصادية في أوروبا والعولمة الرأسمالية المتوحشة أحد أهم أسباب صعود اليمين، لكن رب ضارة نافعة لأن العولمة البديلة التي يصنعها «الشرق في آسيا» على مهل وبتؤدة وثبات وثقة، قد تغير التحالفات التقليدية والتاريخية في العالم..فالمصالح دائما تتصالح.