معايير الاستدامة تحفظ بيوت جدة 400 سنة
الأحد، ١ فبراير ٢٠١٥
أكد عضو شعبة التراث العمراني في الهيئة السعودية للمهندسين طلال عبدالله سمرقندي أن مباني جدة التاريخية أسست على قواعد ونظم الاستدامة التي تعني الاستمرارية في مجالات الاقتصاد والإنسان ومواد البناء والمحافظة على البيئة وهي جزء من نظام المباني الخضراء الذي انطلق من أمريكا.
وأضاف أن منازل جدة التاريخية راعت خمسة معايير أساسية في نظام الاستدامة، فمن حيث الموقع نجد أن المنطقة التاريخية أنشئت على تلة مرتفعة تجنبا لمسارات السيول، كما راعت ظروف النقل في تلك الحقبة، فهناك شوارع رئيسة للعامة وأخرى فرعية وثالثة داخلية في الحي ثم خاصة لأصحاب المنازل، كما استخدمت المواد المحيطة بالبناء، وابتعدت عن التكاليف العالية في مجال النقل من مواقع بعيدة، وهذه من معايير الاستدامة، كما استخدم العازل الحراري في المباني من خلال استخدام الحجر المنجلي الذي يتميز بكونه حجر مسامي، حيث يسمح للحرارة بالخروج وعدم الاحتفاظ بها، كما تم تأسيس جدران سميكة جدا لكي لا تصل الحرارة إلى الداخل، وكان سكان تلك المنازل يهتمون كثيرا بترشيد استهلاك المياه، من خلال توفير حافظات مياه على قدر استخداماتها، فكانت بيوت جدة تحوي صهريج مياه سفلي يعبأ بمياه الأمطار ويستخدم للغسيل فقط، وهناك أيضا مشروع العين القوصية التي تنقل المياه من شرق جدة إلى جدة عن طريق أنابيب تمتد لمسافة 30 كلم عن طريق الجاذبية الأرضية.
وأشار إلى أن طقس جدة يتميز بالحرارة المرتفعة لذلك نجد بيوت جدة القديمة عالية وتحوي شبابيك علوية ليصعد إليها الهواء الحار ويحل مكانه الهواء البارد، وهناك الرواشين التي تحمي المنازل من دخول الحرارة بسبب الفتحات الواسعة، وهناك المشربية التي توضع فيها قراب المياه فإذا جاء الهواء مر على هذه القراب ليبرد ثم يدخل للمنزل باردا، وهي مثل فكرة التكييف الحالية، وهناك تحسين معايير البيئة الداخلية، حيث نلحظ في البيوت الحجازية عدم استخدام أي مواد كيماوية تضر بالغلاف الجوي، فكانت مكونات البناء من الحجر المنجلي والطين والنورة وهي حجر يحرق ثم يتم طحنه ويستخدم للدهان، وكل هذه المواد طبيعية وقابلة للتحلل وإعادة الاستخدام، وهذا ما جعلنا نشاهد حاليا مباني أنشئت منذ 400 سنة ولا زالت قائمة بسبب تفكيكها وإعادتها من جديد.
كما تتميز هذه المباني بوجود فتحات تهوية من جميع الجوانب، مما يسمح للهواء بالتجدد باستمرار وهذا يحافظ على سكان المنزل من العدوى عند مرض أحد أفراده، كما نلاحظ في هذه المباني وجود دورات المياه في جانب واحد من المنزل حتى لا تنتشر الرطوبة في المنزل، وتتصرف في مكان واحد له مقاييس معينة لتجنب الروائح والتلوث البيئي، ونلاحظ فتحات التهوية كبيرة في البيوت الحجازية القديمة من أجل دخول ضوء الشمس لقتل الجراثيم في المنزل.
ومن عناصر الاستدامة، الإبداع، وهذا نلاحظه كثيرا في البيوت الحجازية، ومن ذلك أنها أنشئت بطريقة تسمح لها بإعادة فكها وتركيبها وهذا لا يوجد في بقية بيوت العالم في عصرها، فيمكن فك الجزء المتضرر في البيت الحجازي وتعديله وإعادته من جديد، ويكون ذلك بشكل أفقي أو رأسي، وهذا بسبب التكليلة وهي خشبة ارتفاعها نحو متر، يتم وضعها بشكل أفقي في كل جدار، مما يسمح ببناء أربعة أدوار، لان الحجر المنجلي هش ولا يحتمل أكثر من دور واحد، لأن التكليلة تساعد على توزيع الأحمال لكل دور، وهي تعادل الكمرات في البناء العصري.
وهناك طريقة إنشاء البيت الحجازي الذي يؤسس على فحل الدرج، فإذا سقط المبنى، فانه يتجه للداخل وليس للخارج حفاظا على سلامة سكان الحي، وهناك الخصوصية، حيث تقسيم الشوارع إلى عامة وشبه عامة وشبه خصوصية، وأخيرا خصوصية، ليتم التحكم في الحي من الناحية الأمنية، فترصد حركة الداخلين والخارجين، وهناك الفراغات داخل الحي أو الأراضي البيضاء التي تلعب دورا كبيرا في تهوية الحي ودوران الهواء، كما أنها تشكل متنفسا لسكان الحي ومساحات تحتضن جميع نشاطات الحي.