من خطف من؟
السبت، ٣١ مايو ٢٠١٤
الحديث هذه الأيام عن قضايا التربية والتعليم ساخن ويميل منحرفا انحرافا حميدا إلى زوايا المسكوت عنه وجره إلى دوائر الضوء. وثمة على الهامش حراك فيه من يرى من أهل الشأن بالعين المجردة طلائع علامات تطل برؤوسها وتؤشر بوضوح على وقوع جهاز التعليم في المراحل الزمنية السابقة في أكثر من قبضة متشددة، أو لنقل في قبضة ذوي النزعات المضبوطة على بوصلة التطرف المخالفة لقبلة النظام التربوي والتعليمي في البلاد، النظام المؤسس أصلا على الوسطية والاعتدال لدخول بوابة العلم والمعرفة برشد وثبات وقوة تسهم في خلق التوازنات اللازمة. وهؤلاء القوم - أي حاملو النزعات - و»الأمر كذلك» من الضعفاء المختطفين بإرادتهم الرخوة المتهيئة أصلا لاستقبال التعبئة لتسهيل مهمة الخطف الأكبر، ولو لم يكن في الأمر صحة لما قبلوا بأن يكونوا أدوات في يد غيرهم لتأخير وطنهم معرفيا بالانصراف نحو عسكرة الأفكار وشحنها بمولدات من نوع خاص لإنتاج معارف وأفكار مشحونة بالمعاكس للتوازنات الفكرية والنفسية.
والسؤال عن الدوافع والمحركات بالتفصيل الدقيق إن أتى الآن لطلب يد الإجابة حتى وإن كانت خجولة ملثمة، فهو بكل التأكيد سؤال من صنف «متأخرا جدا».
الجدير بالإشارة أن كل معني بالمسألة ممن يعرفون أنفسهم فضلوا الاختفاء في الوقت الذي حركت سخونة الحراك قسرا أنصارهم للمداخلات المرتبكة المتهكمة في وسائل الإعلام المفتوحة، وهذا إلى حد بعيد من الفائدة بمكان، لِمَ لا وهو يحدد اتجاه الرياح ويقدم سطحية الدفاع؟
في العموم إدارة هذا الملف بدأت تأخذ المسار الطبيعي، وفيها تباشير خير تقلق في ذات اللحظة المحملين بأخطاء الماضي المنزعجين، كما تقول التوقعات، من تقليب صفحات التاريخ على ما فيها.
نعم، همة وثبات موقف القائمين على إدارة العمليات التربوية والتعليمية في المرحلة الحالية، وتقليبهم صفحات الملف المتورم باستراتيجيات التأزيم، وخطط تحويل الاتجاهات التي تدور حولها النقاشات من حين إلى آخر، وهذا رأيي، تؤكد العزم على إعادة ترتيب البيت التعليمي من الداخل، وهو الأهم، مع أنه من المهم رسم خارطة طريق لملاحقة كل من ساهم في تشويه داخل البيت ولطخ خارجه وجعل جدرانه عرضة للتشققات.
نعم، تعميم خطيئة خطف التعليم على الكل التربوي غير واردة في حساب المنطق، وإنكار وجود الخطيئة غير مقبول في حسابات الواقع، حتى وإن سالت محابر المدافعين وعلا صوتهم، ولعل السؤال المناسب هو: كيف حدث الإرهاب هنا؟ ولماذا قتل الإنسان ودمر المكان؟ وكيف تصاعدت وتيرة تكفير بعض أبناء الوطن؟ أسئلة بسيطة، أليس كذلك؟
مهما كانت الإجابات فإن تمشيط المسيرة وتنشيط الذاكرة يعود بأي باحث أو مهتم إلى الوقوف على المحذوفات من المناهج التعليمية أخيرا، ألم تكن من المغذيات المسمومة؟ ألم تكن فيها مسحة من التأزيم والخصومة على المستوى الداخلي على الأقل؟
عموما، الباعث على التفاؤل أن المناهج التعليمية أخذت اللازم من التنقيح، وما زالت عمليات التهذيب كما يبدو قائمة، يزيد التفاؤل ويقوي عوده أن المسيرة عازمة على إزالة المثيرات السلبية.
والخاتمة، أن كل العقلاء يتوقون إلى تعليم يوصل العلم والمعرفة، بعيدا عن حشو المعلومات وجعلها «محفوظات» ينتهي العهد بها بعد الخروج من قاعات الامتحانات. الناس تريد تعليما يفتح كل النوافذ على التوازنات النفسية والفكرية لتحقيق النجاح في كل مناحي الحياة، تعليما يبين مساوئ التشدد ويحذر من مآلات الأفكار المنحرفة فاقدة التوازن، المتنقلة بين التقلبات الفكرية دون نظرة عادلة تحول دون «الحدية»، أي الاتجاه إلى أقصى اليمين أو الشمال دون فحص للواقع. الكل يتمنى تعليما يحمي أبناء وبنات الوطن من التطرف في الرأي أو الفعل، تعليما يجمع ولا يفرق، وفي كل الأحوال يقوي الوازع الديني وينظر لمنجزات الوطن في خدمة الدين الإسلامي بعين الاحترام والتقدير.