سابك.. وسعودة الكم والكيف
الأحد، ١ فبراير ٢٠١٥
لا أحد يريد التوقف لعجلة التفكير المتسارع في سعودة الوظائف، ولكننا قد نريد الوقوف قليلا عند الثقافة التي ينبغي أن يفهم بها موضوع السعودة، ليس فقط من حيث إنها إحلال كمي لأبناء الوطن في وظائف الوافدين والمقيمين، وإنما من حيث كونها سبيلا لتطوير الكوادر السعودية والانتقال بها إلى مرحلة أعلى من المعرفة العلمية والمهارة العملية، بحيث تشغل الكفاءة الوطنية أكبر مساحة من الوظائف، دون أن يقتصر الهدف على مجرد تطبيق السعودة، بل أن يتجاوز ذلك لتأكيد استحقاق السعوديين لهذه الوظائف وامتلاكهم المعايير التي تجعلهم أكثر إنتاجية وتميزا فيها عن غيرهم.
وبمراجعة سريعة للواقع منذ بداية التوجه الوطني والحكومي نحو سعودة الوظائف، فسنجد أن نماذج متعددة قد تم تطبيقها في هذا الجانب، وقد اختلفت هذه النماذج تبعا لاختلاف الشركات والمؤسسات وأصحاب العمل، وتباينت مستويات فاعليتها وجدواها وفقا لطبيعة الدوافع التي ارتبطت بكل منها، وبناء على نوعية الخطط التي وضعتها كل شركة انطلاقا من ثقافتها الخاصة ومن فهمها لمبدأ التوطين، وقد كانت الشركات الكبرى - بما تملكه من إمكانات عالية وقطاعات وظيفية متنوعة - في مقدمة الجهات المعنية بمؤازرة التوجه الوطني العام عبر التعامل مع السعودة كأولوية يجب أن تطبقها هذه الشركات بنفس نجاح تطبيقها لمنهجياتها الإنتاجية والتجارية والتنموية، بحيث يكون التوطين شاهدا موثوق الدلالة على نجاح أعمالها ككل.
ولأن تقييم نماذج السعودة لا يمكن أن يتم دون الوقوف على تجارب بعينها، فقد كان ملتقى جدة للموارد البشرية الذي عقد في نوفمبر 2014 فرصة مواتية لكل أصحاب الاختصاص والمهتمين بهذا الموضوع، حيث تضمن الملتقى ورقة بعنوان (مشاركة الشركات الكبرى وتكاملها مع الخطة الوطنية للدولة في التوطين) قدمها الأستاذ فهد بن سعد الشعيبي نائب الرئيس التنفيذي للموارد البشرية في (سابك) وناقش فيها جوانب مرتبطة بالرؤية الوطنية في سعودة الوظائف وذلك من خلال تجربة الشركة في تطبيق برامج وآليات واضحة المعالم لها أهدافها التي يمكن قياسها، بالإضافة إلى مبادراتها في استحداث فرص وظيفية للسعوديين، وتطبيق مشروع لسعودة وظائف المقاولين، واستشراف الاحتياجات المستقبلية من الكوادر السعودية المؤهلة.
لقد بلغت نسبة السعودة لدى (سابك) 87.3 % في 2014، وقبل ذلك بعام تمت مضاعفة المقاولين السعوديين في جميع مواقعها في المملكة من نسبة 10% إلى 21%، غير أن لغة الأرقام هنا لم تكن محدودة فقط بعددها وإنما مقصودة كذلك بتأثيرها، حيث تدل التجربة التي استعرضها الشعيبي أن سابك لا توظف مواردها البشرية فحسب بل تستثمر فيها، وهو الاستثمار النوعي الذي اعتاد المهندس محمد الماضي الرئيس التنفيذي للشركة أن يتحدث عنه في مؤتمراته الصحفية كأولوية مقدمة على جميع استثمارات سابك الأخرى، فهو يؤكد باستمرار أن الكفاءات البشرية طاقة متجددة ومورد أساسي مستدام، وأن الكفاءة الوطنية في القلب من هذا التأكيد.
حين نستقرئ المنهج الذي اتبعته الشركة فسنجد أنها وضعت المعرفة في مقدمة صناعاتها الأساسية الموجهة لخدمة أبناء الوطن عموما، وذلك عبر مسارين، أولهما منظومة مؤسسية لها معطياتها وإنتاجيتها ومخرجاتها، تمثلت في أكاديمية (سابك) التي لا يمكن تجاهل ارتباطها الكلي بالاستراتيجية العامة للشركة، فهي تعنى بتطوير وتحديث المعرفة المتوفرة للكوادر الوطنية ومواءمتها مع الاحتياجات الفعلية للعمل، فضلا عن دورها في صنع شخصيات ناجحة، وكفاءات قادرة على التخطيط الاستراتيجي والإنجاز في مختلف القطاعات والمجالات المهنية، أما المسار الآخر فقد تمثل في البرامج المعنية بتعزيز البناء العلمي والمهاري لدى الموظف السعودي، وفي مقدمتها برنامج سابك للابتعاث الخارجي الذي انطلق في 2005 ويستهدف صنع القيادات المستقبلية للشركة، وبرنامج (MBA ماجستير إدارة الأعمال) الذي يطبق منهجا عالميا في توفير فرص التعليم والتطوير المستمر للمديرين التنفيذيين.
وحين ننظر إلى الموارد البشرية داخل هذه الشركة، سنلاحظ إيجاد (سابك) لتلك «الكيمياء» التي أوجدت بدورها حالة تكامل بينها ككيان اقتصادي مؤثر وبين موظفها كجزء مؤثر في هذا الكيان، فكان حضورها الصناعي داخليا وخارجيا يسير جنبا إلى جنب مع التزامها بتطوير كفاءاتها الوطنية، وذلك ضمن توجه معلن ينظر إلى قدرات الموارد البشرية كأهم المرتكزات في تنفيذ استراتيجية سابك 2025 م، أما نظرتها إلى الخارج فهي ذلك «التواصل» الذي يتبنى مبدأ تنمية المسؤولية الاجتماعية في مجال الموارد البشرية، من خلال الشراكة مع القطاعات الحكومية و الجامعات، والمعاهد الفنية، والمؤسسات العلمية والأكاديمية لدعم متطلبات العمل الحالية والمستقبلية في المملكة وتلبية احتياجاتها المتنامية من القدرات والمواهب.
عدد ليس بالقليل من القيادات السعودية التي تتصدر القطاع الصناعي والاقتصادي حاليا هي من نتاج هذا التوجه الذي طبقته (سابك) وهو أمر يحسب لمنظومتها الإدارية التي يقودها الأمير سعود بن عبدالله بن ثنيان آل سعود، عندما قدمت للمملكة تجربة يمكن استلهامها في تطبيق السعودة، من خلال عملها منذ وقت مبكر على الكم والكيف معا باستهدافها مواكبة توسعها في التوطين برفع جودة الكفاءات، فدربت الكوادر الوطنية ودعمت قدراتها باستخدام طرق مبتكرة ومتجددة، كما تبنت التخطيط الاستراتيجي للقوى العاملة، وتمكين التميز الوظيفي، وتطوير القيادات بهدف تعزيز الميزات التنافسية، أما النتيجة فكانت أن الشركة التي تضم 40 ألف موظف حول العالم من مختلف الجنسيات، نجحت في تأسيس مفهومها الخاص للموظف السعودي العالمي، وهو شخص يمكن - بمجرد النظر إلى أدائه وثقافته المهنية - معرفة أنه ينتمي إلى (سابك).