امتهان التعاسة

سحابة من الاختناق، جو من الاكفهرار والضيق، وكم من الطاقة السلبية، يستقبلك حين دخولك لأي جهة حكومية في بلادنا العربية. تشعر وأنت تمشي في أروقتها وكأنك في أحد الأفلام التي تمثل العصور الوسطى، حيث يقف مندوب الإقطاعي (يجب أن يكون شريرا) في تعال لينادي أسماء الفلاحين (المراجعين) ليوزع عليهم الغلل (المعاملات). فقليلهم يكون راضيا بما حصل عليه (معاملته تمت) وأكثرهم نودي من أرضه ورزقه ليواجه بعدم استحقاقه أو مجرد أن مزاج الإقطاعي لم يكن رائقاً أمام طلبه (علقت المعاملة أو رفضت).
ترى من الملوم على حال جهاتنا الحكومية سواء كانت إدارات، مستشفيات، مدارس…؟! يعلم الله أنني لا ألوم الموظفين، بل إنني أشفق عليهم. أشفق عليهم من أغلال لبسوها بكامل إرادتهم، وهم يحسبون أنهم مجبرون. أشفق على عقول تحجرت، وقلوب تبلدت، وأرواح فقدت القدرة على الأمل أو التطلع. فما بين روتين العمل القاتل، وغياب التطوير والتدريب، وفقدان المعايير الاحترافية، وتمييع الأنظمة والحدود، تحول الموظف إلى كائن مُعطَل الإنسانية، مُعطِل الإنتاجية.
أعود لأتساءل: ترى هل يستحقون الشفقة؟ وهل سوء أحوالهم مبرر لسوء أدائهم؟ أليسوا هم من اختاروا التقديم في هذا المكان ومن ثم البقاء في هذه الوظيفة؟ أليسوا هم من قايضوا الرضا الذاتي والطموحات والميول الشخصية، بالأمان الوظيفي، والقبول المجتمعي، ورفاهية التقاعد؟. ترى أيحق لهم بعد ذلك أن يُدفّعونا نحن ثمن إحباطاتهم وسلبيتهم وعدم جرأتهم على التطوير أو التغيير؟
أيها الموظف البائس، أدعوك بحزم يختلط به التعاطف، لخيارين لا ثالث لهما. أما الأول، فهو أن تتجرأ بأن تخطط وتدبر، ومن ثم تتعلم وتجرب وتمارس ما تحب حتى تتقنه، وأخيرا تمتهنه. وأما الثاني فهو أن تجدد النية وتحتسب الأجر عند الله بأن تمارس عملك بكل أمانة وإخلاص لأنك تبتغي وجه الله في دنيا مآلها الزوال والحساب أمام رب العباد.
باختصار، افعل ما تحب، أو ارحمنا وأحِب ما تفعله.