بعد نجاح استراتيجية القاطرة والمقطورة.. أوروبا تستفيق على زلزال انتخابي

"إنه يوم سيء بالنسبة للاتحاد الأوروبي عندما يحصل حزب يقدم برنامجا يروج للعنصرية وكره الأجانب على 25% من الأصوات".
هكذا لخص مارتن شولتز، الرئيس الاشتراكي السابق في البرلمان الأوروبي نتائج فوز الجبهة الوطنية اليمينية المتطرفة في فرنسا.
ورغم أن زعيم حزب الشعب الأوروبي جان كلود يونكر المرشح الأوفر حظا للفوز بمنصب الرئيس القادم للمفوضية الأوروبية خالف شولتز الرأي قائلا "إن أغلبية الأوروبيين صوتوا لصالح أن يكونوا جزءا من أوروبا الموحدة واليمين المتشدد لم يفز في هذه الانتخابات، ومفاجأة الانتصارات التي حققها اليمين القومي في العديد من دول الاتحاد وعلى رأسها بريطانيا وفرنسا والدنمارك لا يمكن التقليل من شأنها وتبريرها بحجم المشاركة الضعيفة التي لم تتجاوز 43% من مجموع الأصوات ولا يمكن التخفيف من ارتداداتها بمقولة إن تكتل الأحزاب التقليدية الذي حصد 523 مقعدا هو الذي سيوجه البرلمان في السنوات الخمس المقبلة ويختار الرئاسة ويحدد هوية البرلمان وصبغته السياسية".
هناك من يطيب له تشبيه الاتحاد الأوروبي بالدراجة التي ينبغي تحريك عجلاتها دائما لتستمر في التقدم، وإلا فإنها ستسقط إذا ما توقف الحراك.
قد تكون هذه الدراجة الأوروبية لم تتوقف عن السير طيلة العقود المنصرمة وتجاوزت خطورة السقوط، لكن مشكلتها اليوم وبعد فتح صناديق الاقتراع الأخير في انتخابات البرلمان الأوروبي للحقبة المقبلة، أنها مهددة بالسير وسط المطبات التي قد تطيح بالسائق والدراجة على السواء، كونها مهددة بالخروج عن مسارها التقليدي المعروف.
المجموعة الأوروبية التي تضم اليوم 28 بلدا وبتعداد سكاني يصل إلى 500 مليون نسمة وبعد نجاح استراتيجية القاطرة والمقطورة في جر دول أوروبا الشرقية التي انشقت عن المعسكر السوفياتي وقبلت أن تغير لباسها ونمط عيشها وأنظمتها الأيديولوجية والسياسية، مهددة - وفقا لمراقبين- بالتشرذم قبل أن تكتمل فكرة التكامل والذوبان الدستوري والاقتصادي والعسكري بعيدة المدى.
الأرقام تقول إن حصة اليمين القومي المتشدد التي ارتفعت من 70 إلى 140 مقعدا حملت معها التساؤل الأول المقلق: هل هي حالة عابرة تحت سقف البرلمان المتنوع الهويات والانتماءات الحزبية والسياسية والعقائدية؟ أم أنها ستتحول إلى مشكلة في العمق تناقش هوية ومستقبل ومصير المشروع الوحدوي التكاملي!.
النتائج المعلنة شكلت صدمة لليمين واليسار التقليدي في أوروبا، لكن الصدمة الأهم كانت الانتصارات التي حققها اليمين القومي في أكثر من بلد أوروبي تباهى بليبراليته ويمينه التقليدي المحافظ أو يساره المعتدل.
صوت واحد من أصل كل 5 أصوات قال نعم لليمين المتشدد في المجموعة الأوروبية التي تضم 400 مليون ناخب، ولم يذهب منها إلى صناديق الاقتراع سوى نحو 180 مليونا فقط.
من الممكن القول إنه ورغم حجم المفاجأة والانتصار الذي حققه اليمين المتطرف فإن الهيمنة على البرلمان ما زالت بيد الأحزاب التقليدية وإن القوى اليمينية المتطرفة منقسمة على نفسها، ومن الصعب أن تتوحد تحت سقف البرلمان، لكن حقيقة أخرى تقول إن هذه القوى نجحت في رفع حصتها إلى الضعف بالمقارنة مع انتخابات 2009، وإن ما جرى يستحق التوقف عنده مطولا لدراسة أسبابه وانعكاساته على الدول الأوروبية أولا والاتحاد الأوروبي ثانيا.
ويقول خبراء الاتحاد الأوروبي وأساتذة علم السياسة إن الرسالة الأخرى التي كشفت عنها نتائج الانتخابات البرلمانية الأوروبية ليست فقط نسبة ارتفاع أصوات اليمين القومي المتشدد والمعادي للمهاجرين والأجانب في أوروبا أينما كانوا، بل حالة الاصطفاف السياسي والعرقي والقومي بين الأحزاب السياسية وشرائح المجتمع الأوروبي، وهذا ما تعكسه الصورة المتفاعلة على الأرض في ألمانيا وإنجلترا وفرنسا من خلال إلقاء نظرة متفحصة على النتائج التي حملتها صناديق الاقتراع في تلك الدول.
وترى قيادات سياسية وأكاديميون أوروبيون أن مشروع الدولة الأوروبية أو ربما الهوية الأوروبية التي طرحها كبار المفكرين والفلاسفة المنظرين للوحدة الأوروبية منذ مطلع القرن التاسع عشر هو المهدد اليوم أمام هذه النتائج التي تتحدث عن صعود اليمين المتطرف جنبا إلى جنب مع الجماعات العرقية والفاشية المعارضة للفكر الأوروبي ولمشروع الوحدة، كونه يتعارض مع المبادئ والأفكار التي تتبناها وتدافع عنها.
وتقول الأرقام وحصيلة الانتخابات إن الناخب الأوروبي الذي دعم اليمين المتشدد أراد أن يقول إنه قلق على مصير دولته ولغته وقوميته وإنه متردد في مسألة تقديم مزيد من التنازلات لصالح الهوية الأوروبية.
فهو يرى أن مطلب تغيير الدساتير والقوانين لصالح القواعد والأنظمة الأوروبية تتركه أمام حالة من القلق على مصير الانتماء العرقي واللغوي وأن قاعدة الأولوية المطلقة لمبادئ الاتحاد وقراراته لم تعد شيكا على بياض يقدم لمؤسسات الاتحاد ومنظماته لتحدد هي الاستراتيجيات والأولويات وتطلب من الدول التنفيذ والالتزام.
وبدأ كتاب وإعلاميون معروفون في أوروبا منذ الآن يرددون أن الصعود القوي لليمين المتشدد في أوروبا "يمثل رسالة أخرى حول ضرورة مراجعة معادلة الأولوية المطلقة للاتحاد والولاء الكامل لما يقول، حتى ولو كان ذلك على حساب الولاء الوطني أو القومي.
لغة التعدديات في الخارطة الثقافية والاجتماعية للاتحاد أيضا أمام خطر التراجع لصالح الانغلاق والتقوقع، ناهيك عن مواجهة محتملة لا مفر منها بين اليمين الصاعد والقوى الهامشية في المجتمع الأوروبي التي تبحث عن فرص الاعتراف بها وقبولها كما هي أو كما تريد أن تكون اجتماعيا وثقافيا وترفضها القوى اليمينية بسبب ما تتركه من انعكاسات سلبية على الحياة الأسرية والأعراف والتقاليد الأوروبية التي باتت مهددة بسبب هذه المجموعات ونمط عيشها كما تقول.
النتيجة بإيجاز حملت معها حقيقة أخرى حول أن اليمين المتشدد حصل على فرصة أكبر لإبداء الرأي لكل من يرغب في تقويض نفوذ الاتحاد الأوروبي أو إلغائه تماما، ولو لم تكن هذه الحقيقة موجودة لما سارع رئيس الوزراء الفرنسي مانويل فالس لوصف النتيجة بأنها "زلزال سياسي" مشيرا إلى أن أحزابا كبيرة بينها حزب الاستقلال البريطاني وحزب الجبهة الوطنية الفرنسية قدما أداء قويا، حيث فقدت تكتلات الوسط الثلاثة الكبرى جميعا مقاعد على الرغم من استمرار تمتعها بالأغلبية.
ولما وصفت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل انتصار أحزاب أقصى اليمين في الدول الأوروبية بأنه "علامة بارزة ومؤسفة".
مفاجأة أخرى شهدتها الانتخابات وجاءت من الدانمارك حيث حققت الأحزاب المتطرفة فوزا مهما، فحزب الشعب الدانماركي وهو تشكيلة سياسية معروفة بمعارضتها للمهاجرين حصد 26.7% من الأصوات.


"التكتلات الموالية للاتحاد الأوروبي ما زالت صلبة وتتمتع بأغلبية مؤثرة قد يكون صحيحا، لكن هناك حقيقة أخرى حول وجود حاجة ماسة وملحة لإجراء مناقشات ديموقراطية جادة لمواجهة مخاوف الذين لم يدلوا بأصواتهم أو صوتوا احتجاجا".

خوزيه باروزو رئيس المفوضية الأوروبية المنتهية ولايته


"إن حتمية الوحدة الأوروبية تنتهي الليلة بعد فوز الاستقلال البريطاني. البلاد عليها أن تكون جاهزة منذ الآن لخضات سياسية وحكومية من الصعب تجنبها، ولا تقل خطورة عن الحالة الفرنسية".

نايجل فاراج زعيم حزب الاستقلال البريطاني