الأمانة
الأربعاء، ٢٨ مايو ٢٠١٤
إيماناً منها بدورها التوعوي، وعملاً بمحددات اختصاصها الوظيفي، شرعت أمانة المدينة المنورة في نشر لوحات إعلانية في ميادين وشوارع المدينة، ومما جاء في بعضها ما نصه: (مخلفات منشأتك مسؤوليتك، فلا تشوه بها مدينة المصطفى، صلى الله عليه وسلم). أما الصور المصاحبة لهذه اللافتة التوعوية فهي ركام من مخلَّفات البناء التقطت لأحد أمثلة تلك المخالفة، ومن المخلَّفات إلى المخالفات الإنشائية التي رأت الأمانة فيها تشويهاً لمدينة المصطفى، صلى الله عليه وسلم، ومثالها الإيضاحي البصري المصاحب، صورة بناية سوَّر صاحبها سقفها بدون إذن الأمانة، أو شرفة (بلكونه) أراد صاحبها الاستفادة منها بسدها بالبناء. وسأتوقف عند المثالين اللذين رأت الأمانة فيهما تشويهاً لمدينة المصطفى، صلى الله عليه وسلم. أما الأول: فإن أنظمة الأمانة قد احتاطت له بسنِّ نظام عقود رفع المخلَّفات، واشتراط إحضار المواطن لعقد مع إحدى شركات رفع المخلَّفات حتى يحصل على رخصة الإنشاء، سواء كانت البناية حجرتين وسورا، أو بناية من عشرة طوابق، ومن ثم فالمخالفة إما من الشركة التي اعتمدت الأمانة عقودها، أو من مراقبي الأمانة الذين تراخوا في متابعة ذلك، ولا أظن القضية ملحة أو إشكالية إلى الحد الذي يجعل منها ظاهرة تقتضي الاحتشاد لها بهذه اللافتات المعلقة. وأما المثال الثاني: فهو بحاجة إلى التحقق من وجود المخالفة أصلاً، وهي وإن كانت نظرياً وإدارياً كذلك، فإنها من الناحية الموضوعية، تصرُّف المواطن فيما يملكه شرعاً، وممارسته لحريته في حدود ملكيته الفردية، دون تجاوز، أو إضرار بالآخرين، ومن ثم فأنظمة الأمانة هي التي بحاجة إلى المراجعة والدراسة لتتواءم مع متغيرات الواقع والمجتمع وحاجات الناس. فالنظام الذي يحظر تجاوز المالك بالبناء رأسياً مضت عليه عشرات السنين، وفي ظل عدم وفرة الأراضي والمساكن، ما ذنب المواطن إذا ما أراد بناء دور إضافي على المحدد من قبل الأمانة، ولا نعلم ما هي المعايير التي تُسن بموجبها مثل هذه الأنظمة، التي هي نتائج عقول هندسية مخلصة وضعت تلك الأنظمة وقدرتها وألزمت ملاك العقارات بها، وهي والحال كذلك، تحتاج للمراجعة في ظل الواقع والمتغيرات الاقتصادية والاجتماعية المستجدة، حيث يبحث المواطن مالك العقار عن بضعة أمتار يوفر بها مساحة سكنية لأبنائه، في إطار ملكه الخاص. ولعله مما يحسن بجلال وجمال مدينة المصطفى، صلى الله عليه وسلم، أن تقوم أمانتها بمراجعة تلك الأنظمة وقراءتها على ضوء تلك المتغيرات واحتياجات المواطنين. وبمناسبة استدعاء نسبة هذه المدينة إلى الرسول الأكرم ،عليه صلواته وسلامه، وتحريك عاطفة المواطنين باتجاه معنى هذا الانتماء الكريم المقدس، ودعوة الأمانة المواطنين إلى الالتزام بالأنظمة البلدية، فهلاَّ التفتت الأمانة إلى شوارع مدينة المصطفى، صلى الله عليه وسلم، وكثرة الحفريات فيها، وهلاَّ سنت قواعد تراعي خطوط الخدمات الأخرى كالمياه، والصرف الصحي، والكهرباء، بدل أن يفاجأ المواطن بالحفر والتحويلات في الشوارع الرئيسة والفرعية، بعد أسبوع من إتمام سفلتتها ورصفها، وهلاَّ تنبهت الأمانة إلى الشوارع الترابية في الأحياء التي يجوبها مراقبوها صباح مساء بحثاً عن المخالفين لأنظمة البناء.
وهلاَّ التفتت الأمانة إلى المجمعات الصناعية والورش في قلب حي القبلتين، ومعاناة المواطنين من مخلفاتها الضارة بالبيئة والإنسان والمكان.
وهلاَّ راقب مراقبوها الخضار المفخخة بالمواد الكيماوية، أسمدةً ومبيدات، في سوق الخضار المركزي في مدينة المصطفى، صلى الله عليه وسلم، الذي ترده يومياً أرتال من المنتجات الزراعية؛ من المزارعين إلى بائعي الجملة إلى المتجر، إلى المواطن دون فحص أو اختبار لنسبة المواد الضارة بها. هل رأت الأمانة، وهي عنصر أصيل في منح تراخيص المنشآت التعليمية، العمائر السكنية في وسط الأحياء التي حوَّلها أصحابها إلى مدارس خاصة؛ ليعاني المواطن الازدحام حولها صبح وظهر كل يوم؟
هل راعت الأمانة في أنظمتها البعد التاريخي والمعماري للمدينة المنورة في ما تمنحه من رخص لإقامة المجمعات السكنية، والاستهلاكية، بحيث يتناغم ذلك مع التراث التقليدي المعماري للمدينة المنورة؟ وهل حافظت الأمانة نفسها على تلك المكونات المعمارية التي تعكس ملمحاً من ملامح وجه المدينة الحضاري والتاريخي؟
الأمانة قيمة إنسانية عظمى، قبل أن تكون مسمى إدارياً لمؤسسة خدمية، وذلك معنى يدركه الإخوة الفضلاء في أمانة المدينة، الذين لا نشك في صدقهم وإخلاصهم، ولا نجهل منجزاتهم العظيمة، ووعيهم بقيمة هذه المدينة المقدسة، ولأننا لسنا في وارد الثناء وتبادل المديح فقط، أردنا أن نذكِّر أولئك الخيرين المخلصين ببعض معاناة المواطنين في مدينة المصطفى، صلى الله عليه وسلم، كما للأمانة الحق في تذكير المواطنين بواجباتهم.