الملك عبدالله.. عفوية تكسر البروتوكول وحرية تتجاوز الرقيب

انتهى الاجتماع، وجلس الوفد السعودي على طاولة الطعام مع الوفد الألماني، وبحسب التنظيم المتبع كان المترجم جالسا في مكانه الخاص بالقرب من الطاولة وليس أمامه أي طعام أو شراب، الأمر الذي لاحظه رئيس الوفد السعودي، فأخذ كوبا من اللبن وأعطاه للمترجم الذي لم يتوقع تصرفا كهذا، حيث لم يكن مفترضا منه أن يأكل أو يشرب شيئا في تلك اللحظة بالذات، ووسط إصرار ذلك الشخص اضطر المترجم لتناول الكوب سريعا، غير أن هذا لم يكن حلا، فقد لاحظه مجددا ومد إليه كوبا آخر مباشرة.
يمكنك أن تضيف هذا الموقف العفوي إلى فكرتك المسبقة عن إنسانية خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله، يرحمه الله، حيث كانت هذه إحدى القصص التي نقلت عن الملك الراحل رواها الدكتور سعد البازعي وهو يتحدث في الملتقى الثقافي الخميس الماضي تحت عنوان «سيرة الملك عبدالله.. قراءة مختلفة»، حيث كانت الندوة إثباتا حقيقيا على أن معرفة سيرة هذا القائد لا تنطوي فقط على معلومات تاريخية بل كذلك على أسباب إضافية لمحبته والدعاء له.

فروسية الإيثار

الدكتور البازعي أعد ورقته بعد لقاءات مباشرة مع الأميرة نوف بنت عبدالعزيز شقيقة الملك عبدالله، وتناول فيها مواقف من حياته الشخصية والعملية بدءا من نشأته وطفولته وهو يتيم الأم، حتى بدأ في مرحلة شبابه يبدي اهتماما بالغا برعاية أختيه حيث عرف عنه أنه يؤثر إعطاءهما المبالغ التي يحصل عليها من والده الملك عبدالعزيز ولا يبقي لنفسه شيئا، كما عرف عنه حبه للخيل منذ عمر مبكر، مما جعله فيما بعد يولي الفروسية اهتمامه بتعزيز حضورها كرياضة لها طابعها العربي الأصيل.

كيف أصبح محبا للحوار؟

التأخر النسبي في استلامه مناصب رسمية منح الملك عبدالله مزيدا من الوقت لتكوين ثقافته والتعرف على شخصيات وبلدان عدة، أما شخصيته السياسية فقد بدأت التشكل مع رحلته الأولى برفقة والده إلى مصر عام 1946م، كما أنه اكتسب وعيا وخبرة من خلال رحلاته إلى لبنان التي كانت تمثل نموذجا للتنوع السياسي والفكري، وهناك التقى بعدد من الشخصيات وتأثر بها، ولعل أبرزها كمال جنبلاط المعروف بثقافته الواسعة حيث كان صديقا شخصيا له، ويرجح البازعي في هذا الصدد أن انفتاح الملك عبدالله على هذا الجو من التعددية والاختلاف هو ما أوجد لديه الميل نحو مبادرات الصلح وسياسة الاحتواء وحب الحوار وهو ما تبناه بشكل واضح وعلى مختلف المستويات داخليا ودوليا قبل فترة حكمه وأثناءها.

مسؤول أعلى سقفا من الرقيب!

يروي رئيس مجلس إدارة جمعية الثقافة والفنون سلطان البازعي أن الملك عبدالله كان يتمتع بسقف حرية يفوق ما هو لدى الرقيب في مناقشة القضايا المختلفة، واستعرض تجربته في مركز الحوار الوطني حينما كان يقدم فقرة تلفزيونية يومية يكشف فيها عن بعض النقاشات الجريئة التي تضمنتها اللقاءات، الأمر الذي تسبب بقلق فيصل بن معمر رئيس المركز حد المطالبة بانتقاء مداخلات أقل إثارة للجدل، غير أن البازعي لم يغير معاييره إلى أن التقى بخادم الحرمين الشريفين الذي قال له «لقد تابعت البرنامج.. استمر»، ومن هذه الرؤية المنفتحة انطلقت جلسات الحوار الوطني حتى وصلت لمرحلة البث المباشر عبر القنوات المحلية.

بداية فكرة التجول في الأسواق

عرف متابعو الملك عبدالله حبه للتجول العفوي في الأسواق التجارية واللقاء المباشر مع الناس، وربما لم يغب عن ذاكرة كثيرين مشهده وهو يمشي في مركز الفيصلية بالرياض، الملتقى الثقافي كشف أن هذه الفكرة بدأت من أسواق الراشد في الخبر حين كان الملك رئيسا للحرس الوطني وقرر بشكل مفاجئ تناول الغداء في المركز التجاري، وهو ما جعل الأجهزة الأمنية تعمل على إخلاء المركز، وحين وصل الملك واكتشف خلو المكان تقريبا، انزعج من الأمر وقال إنه لم يأت إلا ليلتقي بالناس، في هذه الأثناء سمع بعض المواطنين والعوائل ينادونه من صالة المطاعم في السوق، فاتجه فورا نحوهم.

كتيبة لحماية مدعوين للغداء

على هامش مناورات قوات الحرس الوطني، كان الملك عبدالله يدعو عددا من الصحفيين للمخيمات، وروى سلطان البازعي أن ازدحام الخيمة بالضيوف وبأهالي البادية المجاورة دفع الوفد الصحفي لتناول العشاء بعيدا عن مائدة الملك، وحين علم فيما بعد بما حدث طلب دعوته إلى غداء اليوم التالي ليكونوا وحدهم على مائدته، يضيف البازعي «لقد تم استدعاؤنا حتى وصلنا لتناول الغداء مع الملك عبدالله، أتذكر جيدا أنه لم يتغد ذلك اليوم، بل كان جالسا معنا يشرف على ضيافتنا، بل أنه كان يقطع اللحم بيديه».