التوثيق الثقافي..جلسات وناسة وموسيقى الطوارق
الاثنين، ٢٦ مايو ٢٠١٤
في جولة صغيرة على الـ»يوتيوب» يمكن أن تشبع حواسك ومعارفك بثقافات العالم، الموسيقى والحياة بكل تفاصيلها. أفلام وثائقية من شتى أنحاء العالم قدمها أفراد وقدمتها مؤسسات ثقافية وأقليات دفاعاً عن حقوقهم ومهتمون ودارسون...إلخ.
هذا الدرس البصري الذي أصبح متاحاً يفتح عددا من الأسئلة حول «ثقافتنا»: ماذا قدمنا فيها وعنها عبر مثل هذه المواقع؟
اتصال واحد عبرها يمكن أن يدلك على ما أنتجته بعض المعاهد المتخصصة بالشأن الثقافي في العالم العربي، قد يكون خافياً عليك، مع أن ذلك يمكن أن يحدث بإجادة لغة محركات البحث والكلمات الدليل لمعظم ما تريد.
أعتقد أن فرصاً متاحة مثل تلك تجعلك تسأل: هل استفدنا منها معرفياً وجمالياً، وثقافياً؟ أم إننا لا نزال نرتاب منها ومما تقدمه لنا (يوجد تصاريح رسمية تتعلّق بمواقع التواصل الاجتماعي والموقف الأمني مما يقدم ويكتب فيها)، أي أننا لا نزال نتعامل معها بالحس الأمني لا بالحس المعرفي، عدا المواقع الرسمية للمؤسسات الحكومية والأهلية.
لماذا تنجح بعض محاولات الأفراد والمؤسسات في التعريف بثقافتها وتفشل أو تعجز بعض المؤسسات عن التعامل مع مثل هذه المواقع؟
لا يوجد سبب آخر غير الارتياب والقوالب أو الأنماط الرسمية الغالبة على موقفنا من هذه المواقع رغم مرور ما يقارب عشر سنوات على تأسيس موقع الـ»يوتيوب» (الدومين YouTube.com تم تسجيله يوم 15.02.2005 وتم إعداد الموقع خلال أشهر، وفي صيف 2006 كان موقع يوتيوب واحدا من أسرع المواقع تطورا على شبكة الانترنت. خلال سنة واحدة تقريباً كان ترتيبه العالمي في اليكسا (5)! في هذه الفترة (صيف 2006) كان الموقع يحصل على 100 مليون مشاهدة يوميا، وكان يضاف إليه 65 ألف مقطع فيديو كل 24 ساعة وأسسه ثلاثة أصدقاء انتهوا من حفل تخرجهم والتقطوا مقاطع لهم بالفيديو أرادوا نشرها في الشبكة ومنها انطلقوا لتأسيس الموقع الذي تم بيعه عام 2006 بمبلغ 1.65 مليار دولار)!
مرور هذه السنوات الذي يصاحبه بطء في فهم مدى الاستفادة من هذه المواقع المجانية والتي أصبحت تمثّل دخلا تجارياً لمالكيها ومستخدميها (بعض المحاولات الشابة السعودية من منتجي الاسكتشات تبلغ قيمة الإعلان لديهم ربع مليون ريال سعودي) يجعلنا نتساءل ألف مرّة عن غياب الثقافة وتحولاتها وتاريخها ونماذجها وأسباب هذا النشاط المتزايد من قبل مجموعات تعتمد على أفكارها وتغذيتها وتمويلها بشكل شخصي لتنتج نموذجها الخاص (دراما، كوميديا، مشاهد، اسكتشات) بلغ عدد متابعيها ملايين خلال أيام معدودة من إنتاج أي حلقة من سلسلة من الحلقات التي أصبح لها متابعوها وجمهورها.
وهذا النجاح الذي يمثله الجيل الشاب هو نجاح مطمئن، لكنه في النهاية أحد النماذج لمئات من الأفكار التي تتعلّق بالمحتوى.
يحسب لبعض مستخدمي هذا الموقع أنهم وثقوا بعض ما لديهم من تاريخ للفن الغنائي السعودي، ويحسب أيضا للبعض اجتهادهم في تصوير وبث وتوثيق بعض النشاطات، والاستخدام الفردي أصبح هو الشائع بغض النظر عن المبررات والدوافع.
شعب مثل الطوارق في صحراء أفريقيا الكبرى موزع بين أكثر من خمس دول ويعاني من نزاعات وحروب ومطالبات باستقلال ومخيمات، يحتوي هذا الموقع على مئات من المقاطع الموسيقية لتراث هذا الشعب العظيم (يستخدم فن الغناء لدى الطوارق آلة موسيقية واحدة «آلة التيندي» وهي التي تطورت إلى القيثارة)، وعشرات الأفلام الوثائقية التي أنتجت سواء عن طريق مؤسسات إعلامية، أو أفراد وناشطين في مجال الميديا، وهذه الخيرة ليس بالضرورة أن نتعامل معها بشكل احترافي فكل الوسائل أصبحت في متناول اليد، التوثيق البصري والمونتاج بالإمكان الآن إنجازه عبر هاتف جوال وبرنامج صغير للقص والكتابة وإعادة ترتيب المشهد.
لا يحضرني الآن غير مشهد عازف الربابة في خيمة منصوبة في مهرجان أو مناسبة محلية أو دولية وهو يعزف بضيق بعض المقاطع ليقوم بواجب أقرب إلى الجانب الوظيفي.
لدينا ما يمكن أن نقدمه ولدى الشباب القدرة والرغبة والجلد والأفكار، إذاً ماذا ينقصنا لو خرجنا إلى أقرب صحراء أو طرف مدينة لنعيد إنتاج المشهد بكل الغنى الذي يحتويه بدل الاكتفاء بجلسات وناسة موثقة بكل ما ومن فيها عبر موقع اليوتيوب؟
أنا لم أذكر سيرة أي مؤسسة ثقافية رسمية حتى الآن!
hoshan.a@makkahnp.com