اللازم والمتعدي
الاثنين، ٢٦ مايو ٢٠١٤
هذا المصطلح شاع ابتداء عند النحاة للتمييز بين الأفعال من حيث أثرها على غيرها، فهي إما أن تكون لازمة لاعمل لها فيما بعدها، وإما أن تكون متعدية لها أثر فيما بعدها، ثم استدعي هذا المصطلح في سياقات أخرى في الخطاب الشرعي، ومن أجملها وألطفها ما جاء في المفاضلة بين النوافل بناء على هذا المعنى، فما كان منها متعديا، أي يتجاوز أثره الحسن فاعله إلى غيره فهو أفضل وأعظم أجرا من ذلك الذي يقف أثره عند فاعله، ولذلك فصرف الوقت مثلا في تعليم الناس الخير أولى على الصحيح من صرفه في نوافل الصلاة، ولبعض أهل العلم نظرية أخرى في المفاضلة بين النوافل أعمق نظرا تجعل الأمر مرتبطا بالزمان والشخص والظروف المحيطة، ولكنها في مجملها لا تتعارض مع الإطار العام من تفضيل العبادات التطوعية المتعدية على غير المتعدية.
والمعنى المراد هنا هو هذا البعد الإسلامي العميق في توجيه المسلم لنفع غيره على كل حال حتى وهو يتعبد لله في لحظة خاصة جدا، وهذا المعنى أخص وأدق من معنى الإحسان الموجه للآخرين ابتداء، فالإحسان المباشر بأي صورة من الصور هو في ذاته من أعظم الطاعات وأجلها وأكثرها أجرا، ولكن الصورة هنا تتعلق بفعل عبادي خاص بالإنسان نفسه في الأصل، ولكن لأن له جانبا آخر يتعلق بالناس فقد تقدم على غيره في الفضل والمكانة، وحين ترى هذا الأمر وأمثاله فستعلم قطعا أن نفع الخلق من أعظم مقاصد التشريع التي جعلها الله تعالى مقترنة بأحكام دينه إجمالا، وشريعة هذا شأنها لا يتصور من أبنائها المعظمين لأحكامها أن يعيشوا لذواتهم ومصالحهم فقط حتى ولو كانت أخروية، بل هم مشاعل نور وبذل وعطاء لا يتوقف، لا فردية ولا أنانية في خططهم وأعمالهم، ولذات المعنى تتقدم أعمال شرعية في الرتبة على غيرها حتى تكون شعارا يعلنه الأنبياء لهم، فإذا تأملتها وجدت أنها إنما كانت كذلك لعظيم نفعها للناس في الدنيا والآخرة، ومن أظهر هذه الأمثلة على ذلك الدعوة إلى الله تعالى، فقد جعلها الله تعالى المهمة الأولى للأنبياء، وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يعلن أنها سبيله وأتباعه في هذه الدنيا، ورفع الله مقام أهلها ودرجتهم، فهي في قمة الرقي والتجرد الذي يتطلع إليه المسلم الصادق وستبقى كذلك أبدا، ويالجمال الحياة إذا كان المرء فيها متعديا ولكن بالخير والهدى والإصلاح.