مطالب بإنقاذ معالم طريق المنقى التاريخي

طالب الباحث في معالم المدينة المنورة التاريخية والسيرة النبوية، الباحث عبدالله بن مصطفى الشنقيطي بإنفاذ ما تبقى من معالم طريق المنقى التاريخي »يقع في حرة العاقول شرق مطار المدينة المنورة«، والذي تتهدده هذه الأيام مخططات معمارية، بدأت تزحف على بعض معالمه.

سلكه النبي ثلاث مرات

وبحسب الشنقيطي، فقد وضعت علامات تحديد الأراضي في وسطه، وإذا لم تبادر أمانة المدينة المنورة إلى حمايته، كما فعلت في سد الرانوناء، فسوف يذهب هذا المعلم إلى الأبد، كما ذهب غيره في ساعة غفلة تتبعها ندامة، بحسب تعبيره، ودعا الباحث الهيئة العامة للسياحة والآثار إلى التحرك بسرعة قبل فوات الأوان.
وأشار الشنقيطي إلى أن الطريق ذكر في عدد من مصادر السيرة النبوية، التي أشارت إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم سلكه ثلاث مرات على الأقل، في غزوة ذي قرد وذي أمر وذات الرقاع، وإليه انتهى المنهزمون يوم أحد، وتعرف الحرة التي يمر بها طريق المنقى تاريخيا باسم «حرة هيفا»، ولها ذكر في السيرة النبوية حيث يعدها المؤرخون من معالم المدينة المنورة المهمة، وقد اكتنفها البنيان من جهة وتوسعة المطار من جهة أخرى، وهذا مصداق للحديث النبوي من أن بنيان المدينة سيتصل بهيفا.
وأضاف الشنقيطي، يبدأ المنقى من بداية حرة هيفا، ويمتد بامتدادها ثم ينقطع ليبدأ من جديد في جبال السايبية وحرة ذارة وحرة النخيل، آخذا الطريق العراقي، أو ما يعرف تاريخيا بطريق فيد، ولا زل المنقى موجودا باديا للعيان كأن العمل انتهى منه بالأمس، ماعدا الجزء الأول منه الأقرب للمدينة فقد طوقه البنيان وعلى وشك أن يبتلعه، وهذا الجزء هو أهم أجزاء الطريق لقدمه، ولوروده في السيرة النبوية وفي تاريخ المدينة المنورة، وإلى العصر الحاضر.
والمنقى يعني جزء من الطريق الرئيس الذي يصعد الحرة فتتم تسويته ورصفه حتى تستطيع الإبل وخاصة المحملة بالأثقال عبوره بسهولة، وهناك عدة طرق يطلق عليها المنقى أشهرها وأهمها المنقى الذي يخرج من المدينة المنورة باتجاه الشرق إلى نجد والعراق ويدعى «المنقى الشرقي».

المنقى في المصاد

ريقول الواقدي في وصف مسير النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذي أمر «بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن جمعا من ثعلبة ومحارب بذي أمر قد تجمعوا يريدون أن يصيبوا من أطراف رسول الله صلى الله عليه وسلم جمعهم رجل منهم يقال له دعثور بن الحارث بن محارب، فندب رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين، فخرج في أربعمئة رجل وخمسين رجلا ومعهم أفراس، فأخذ على المنقى، ثم سلك مضيق الخبيت ثم خرج إلى ذي القصة...».
فهذا الطريق الذي سلكه النبي صلى الله عليه وسلم، هو الطريق النجدي العراقي، وقد سلك هذا الطريق في غزوتين أخريين، ذي قرد وذات الرقاع لأنهما في ذات الاتجاه.
وعندما خالف الرماة أمر النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد، وأدى ذلك إلى هزيمة المسلمين انتهى بعضهم إلى المنقى، وفي ذلك يقول ابن إسحاق «وقد كان الناس انهزموا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتهى بعضهم إلى المنقى دون الأعوص» ، والأعوص هو ما يعرف اليوم بالمجامع، أي مكان اقتران أودية العوينة والرصيعة وخضراء والثعلة وغيرها من الشعاب، التي تمر في المطار ثم تفيض في وادي قناة.
وفي مغازي ابن عقبة أن المجرمين من عرينة بعد أن نفذوا جريمتهم في قتل يسار راعي لقاح رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتمثيل به استاقوا اللقاح محاولين الفرار بها إلى نجد، أدركتهم السرية التي بعثها النبي صلى الله عليه وسلم في أثرهم فوق المنقى وعادوا بهم ليلقوا جزاء ما اقترفته أيديهم.

منفذ للحجاج ومعبر للجيوش

وكان هذا المنقى منفذا للحجاج والزوار القادمين للمدينة المنورة، من العراق وخراسان وكل الشرق الإسلامي، كما كان معبرا للجيوش التي أرسلتها الدولة العباسية، لإخماد الثورات التي قامت في المدينة ضدها، وعنده تجمع الخارجون على عثمان رضي الله عنه، مطالبين بعزله وغير ذلك من الأحداث في التاريخ القديم والحديث، كما ترنم به الشعراء شوقا للمدينة، وإلى معالمها المشهورة.
واستمر هذا المنقى في أداء دوره إلى عهد قريب، عندما انتهى عصر السفر بالسيارات، وأسدل الستار عليه وأصبح أثرا ومعلما تجب المحافظة عليه، بحسب الشنقيطي، ليذكرنا بكل تلك الحقب التي مرت عليه.