من تراب ونور
السبت، ٣١ يناير ٢٠١٥
كانت تستيقظ ليلا فلا تجده بقربها نائما، تنسل من سريرها بهدوء لتبحث عنه، تسمع صوتا منخفضا حنونا يأتي من هناك، من تلك الغرفة المنعزلة من المنزل.
تذهب إلى حيث تسمع الصوت ولا تدخل وإنما تبقى بالباب! الغرفة شديدة العتمة إلا من نور قلبه! كان ساجدا يناجي ربه، بقيت بالقرب من الباب تسمع صوته الحنون ولا تتبين ما يقول. طال سجوده وطال وقوفها بالباب، ثم بدأ في البكاء وما زال ساجدا، فدخلت إلى حيث كان واقتربت ولكنها حرصت على ألا يشعر بها، ما كانت تعرف أنه في تلك اللحظات لم يكن يشعر بالكون كله.
في أوقات انتظارها تلك كانت تفكر بكثير مما يمر بهما معا. همومه التي كان يحملها وتضنيه من أجل من حوله جميعا، فقد تعود من صغره أن يشعر بمسؤوليته ناحية من حوله. قد يبدو ذلك مثاليا أكثر مما ينبغي ولكنها عرفته بقلبه «الحي» الرقيق رغم أنه قلب جسور كقلب أسد.
ولم تكن أوقاته تلك بين يدي الله من أجل ذلك فقط، بل كان كثير اللوم لنفسه كثير الاستغفار شديد الخوف من الله سريع البكاء إذا ما ذكره سبحانه وذكر رحمته قبل عذابه.
كان ذلك مهجعا يلوذ فيه كل ليلة يناجي ربه والناس نيام. وكانت تجل فيه ذلك وتستمتع بالبقاء قريبة منه كلما استطاعت دون أن يشعر بها، ولم تكن تفهم ذلك الجنوح منه أحيانا لارتكاب بعض من تصرفات أثناء يومه لا تليق بجلال تلك الأوقات ليلا بين يدي الله وكأنه يغادر دنيانا إلى طبقات علوية خاصة به ثم يعود.
عندما غادرها تماما وخرج من دنياها بلا عودة تفهمت أن البشر يخطئون ويتوبون وهذا نوع جميل يمارس آدميته برقي التطهر من الذنب والتمرغ في جمال التذلل لله.
لم تكن تتعامل معه إلا على أنه ملاك لا يخطئ ولا يضعف أمام نزوة أو هوى، عندما لم تدرك ذلك، فقدته ونسيت وقوفه ذلك ليال طوال بين يدي خالقه.
وعندما مرت بها الأيام وافتقدت صوته المنخفض مناجيا ربه وبكاءه المكتوم وارتعاش جسده في كل سجود، تذكرت حينها أن طهره وملائكية روحه لا تنفي عنه آدميته وارتكاب الأخطاء وتصفية كل ذلك أولا بأول على سجادته التي يضع جبهته عليها ساعات طوال، تراه خلالها جسدا نورانيا وإن عاد صباحا جسدا من طين وعادت هي جسدا من ضلعه خُلق.