لماذا الرواية؟
الأحد، ٢٥ مايو ٢٠١٤
يواجهني دائما السؤال التالي من الكثير من قرائي: لماذا سرقتك الرواية على حساب العمل الأكاديمي الذي كنتَ متفوقا فيه بحكم لغاتك المتعددة وعملك الجامعي؟ أجيب بملء قناعتي: البحث والرواية أنانيان، يرفضان الزواج المتعدد. هذا يعني أننا عندما تختار شيئا، يجب أن ننتمي له بكل ما نملك من قوة. كانت لي الجرأة الكافية لأرى ذلك بوضوح وأفعله، فأوقفت البحث العلمي، والانتماء لفرق بحث علمية في فرنسا أو الجزائر.
حتى تلك التي أسستها، تخليت عنها لطلبتي المتفوقين، ولم أحتفظ إلا بالسيمينار والإشراف. وخصصت كل وقتي المتبقي للكتابة الروائية التي أشعر نحوها بانتماء حقيقي. هذه في النهاية، خيارات شخصية قاسية، لأن فيها بترا كبيرا علينا أن نتحمل تبعاته. طبعا النشاط الأكاديمي مفيد ومساعد في تنوير العقل وإغنائه بالمنجز المعرفي الإنساني، وهو ما يفتح الرواية على آفاق أوسع، ويسمح لها بالدخول في أعماق القضايا التي تشغلنا ككتاب ومواطنين وبشر على وجه هذه الكرة الأرضية التي تهمنا المصائر التي تخطها، في عالم يغلي ويتحرك بقوة نحو حتفه. ما الذي يمكننا أن نفعله؟ ما هي مساهماتنا الممكنة لتفادي المآسي الإنسانية؟ لم يعد الكاتب مهتما بالكتابة فقط، فهو يعيد أنسنة مجتمع بشري بدأ يفقد خصوصيته. البحث العلمي إذن مهم جدا كسند معرفي، لكنه لا يصنع الروائي، لأن الرواية تظل عالما تخييليا بالدرجة الأولى، وهذا لا يجب نسيانه، بل التعامل معه بقوة وذكاء، وإلا سنخسر الأكاديمي والروائي أيضا. كثيرون من الزملاء الأساتذة الجامعيين، كتبوا الرواية وأخفقوا، لأن العقلية التعليمية ظلت هي الطاغية، حتى تحولت الكتابة إلى درس تطبيقي للرواية. التناغم بين الأكاديمي والروائي ضروري، لكن العوالم تختلف جوهريا. الروائي يخسر مشروعه الأدبي إذا سقط التنظير، قبل أن يقتل قارئه ويدفع به نحو الملل والهرب.