مشروعان ضخمان عجيبان بالباحة: الأولويات الغائبة

من المفترض أن يكون لدينا أولويات منطقية، ومقنعة في ترتيب تنفيذ المشروعات في المناطق والمحافظات والمراكز، بمعنى أن هناك مشروعات مهمة، لكن هناك مشروعات أهم، ومن المفروض أن يكون الأهم قبل المهم، وهنا تتجلى أهمية الدور المعطل لمجالس المناطق والمجالس المحلية والبلدية، فهي التي تستطيع وضع برنامج الأولويات هذا وليس الإدارات المركزية للوزارات في الرياض، إذ إن لكل وزارة أولوياتها، لكنها بمعزل عن أولويات الوزارات الأخرى، وهكذا يختل ميزان الأولويات، فتجد مشروعا -مثلا- لتنفيذ طريق إضافي مهم في محافظة - ما-، بينما هذه المحافظة تحتاج بإلحاح إلى مبان مدرسية، وصحية، فأيهما أهم، تنفيذ طريق إضافي، أم مباني المدارس والمستوصفات في هذه المحافظة أو تلك؟
وحتى لا نغرق في التنظير سأضرب مثلا بمنطقة الباحة، فهناك يجري تنفيذ مشروعين ضخمين (عجيبين!) يكلفان مليارات ليس لهما أي أهمية الآن، ولا حتى في المستقبل القريب، بينما الحاجة ملحة جداً لمبان مدرسية ومستوصفات وتعبيد وتوسعة طرق كثير من القرى، واستكمال شبكة المياه، والالتفات إلى دراسة وإنشاء مشروع للصرف الصحي، وتطوير قلب مدينة الباحة، وتطوير المواقع السياحية، وغير ذلك من المشروعات الملحة والحتمية، التي ربما قطعت شوطا كبيرا بمليارات المشروعين اللذين يجري تنفيذهما الآن وهما غير مهمين حاليا مطلقا، ولا داعي لهما في منطقة ريفية كالباحة في المستقبل القريب.
المشروعان هما توسعة الطريق الدائري إلى مائة متر، والثاني تنفيذ جسور تقاطع طريق الطائف مع طريق مستشفى الملك فهد وتوسعة مدخلي الطريقين المحيطين بتقاطع الجسور.
الطريق الدائري كان عرضه نحو عشرين مترا أو أكثر قليلا، وقد تضررت كثير من الأودية وكثير من المواطنين عند تنفيذه للمرة الأولى منذ بضع سنوات، وما زالت بعض الأضرار قائمة حتى الآن، لأن هذا الطريق يسير عبر سفوح الجبال وقمم بعضها، فيهيل الدمار نحو الأودية فيقضي على كثير من المزارع، ويشكل تهديدات خطرة على بعض القرى خاصة في مواسم الأمطار، ومع ذلك ومع أن هذا الطريق يفيض عن حاجة السير والمتنزهين في كل الفصول، إلا أن فكرة واهمة أو فاسدة، وهي نادرة على مستوى المناطق الريفية في العالم، ولدت في ذهن أحدهم فقرر توسعة هذا الطريق الدائري إلى عرض مائة متر، ولك أن تتصور حجم الدمار الإضافي الذي سيسببه للأودية والقرى، فضلا عن أنه لا داعي لتوسعته مطلقا بأي مقياس عقلي منطقي، أو واقعي، ولا أظن هذه التوسعة خضعت لدراسة، لأن لا شيء في الواقع الحالي ولا المستقبل المنظور يؤيدها، ومثل هذا يمكن أن يقال عن الجسر أو الجسور الجديدة، في تقاطع طريق الطائف مع طريق المستشفى وما يتبع ذلك من إزالات لعمائر على الجانبين وما يترتب عليها من تعويضات بمئات الملايين، سيما وأن هذا التقاطع كان من السعة بحيث لا يمكن أن تشاهد في ذروة الصيف أكثر من عشر سيارات تقف عند أي إشارة ضوئية من جهاته الثلاث، وفي اعتقادي لن يشهد هذا التقاطع -لو بقي على حاله- أي حاجة للتوسعة خلال ربع قرن قادم.
ما ذكرته عن هذين المشروعين وعدم الحاجة إليهما في المنظور القريب حقيقة واضحة وضوح الشمس في كبد السماء، بل هما ترف مضر، وفساد واضح سواء كان عن قصد أو بحسن نية، ولا أعرف ما هو موقف مجلس المنطقة والمجلس البلدي منهما، إلا أنني أعتقد أنهما لم يستشارا، مجرد استشارة، وإلا فأنا أعلم أن ليس لهما صلاحية ولا قرار، وأتصور أن لو كان لهما شأن يذكر، لوجها مليارات المشروعين إلى بناء مدارس ومستشفيات وطرق القرى وخدماتها ونظافتها ومجاريها ومياهها وتطوير مدينة الباحة ومتنزهات المنطقة، فهي مشاريع ملحة جدا، والكل في المنطقة يعرف ذلك، سواء كان مسؤولا أو مواطنا.
ربما أن مثل ذلك يحدث في مناطق أخرى، وهو يدل على شكلية المجالس سواء مجالس مناطق أو محلية أو بلدية، وهو يشير إلى غياب التنسيق بين الوزارات، وهو يؤكد ضرورة إعادة النظر في صلاحيات هذه المجالس، فإما إعطاؤها صلاحيات فاعلة أو إلغاؤها، كما أنه يؤكد ضرورة أن تكون ميزانية الدولة بالنسبة للمشاريع ميزانية مناطق لا قطاعات، أو أي صيغة أخرى تجعل كل منطقة تتحمل مسؤولية الأهم فالمهم من مشاريعها، ولا تبقى الأولويات غائبة على هذا النحو المؤسف.