ابن تيمية وخصومه
الخميس، ٢٣ يناير ٢٠١٤
اشتهر الإمام ابن تيمية رحمه الله (661- 728هـ) بكثرة ردوده وتصديه لكثير من أصحاب الملل والنحل والطوائف والفرق، من يهود ونصارى وفلاسفة ومعتزلة ومتكلمين وغيرهم.
إن بعض هذه الردود وصل في مراحل مختلفة إلى صراع مرير وخصومة لم تخل من بعض الإسراف والشطط والتصعيد.
لقد ألحقت هذه الخصومات بهذا الشيخ أذى كثيراً وتضييقاً أفضى به في نهاية المطاف إلى قلعة دمشق سجيناً إلى أن توفاه الله عز وجل.
بيد أن هذا الشيخ الجليل -وبرغم كل ما ذكرنا- كان يتمتع بكثير من حس الإنصاف وأخلاق التسامح مع المخالفين والترفع عن توافه الأحقاد الشخصية ورغبة الانتقام ممن تسببوا في أذاه والتضييق عليه.
وقد دون أصحاب التراجم والسير كثيراً من هذه المواقف النبيلة التي أحب أن أقف عند بعضها، علنا نتخذ منها قواعد تضبط مواقفنا عند الاختلاف والنزاع:
أما الموقف الأول: فهو موقف الإمام ابن تيمية من قضية أسرى اليهود والنصارى الذين وقعوا في أيدي التتار بعد اجتياحهم لبلاد الشام، وكان المسلمون قد عقدوا معهم في بعض تلك المعارك هدنة مقابل وقف القتال وإطلاق الأسرى، فأطلق التتارُ أسرى المسلمين وحدهم، فأنكر الإمام ابن تيمية ذلك، واشترط فك جميع الأسرى حتى من اليهود والنصارى، فقال قائد التتار: إن هؤلاء ليسوا على دينك وملتك! فرد ابن تيمية: لكنهم في ذمتنا وتحت عهدتنا ولا بد من إرجاعهم إلى ديارهم سالمين، وهكذا تم إطلاق جميع الأسرى بفضل هذا الموقف الشجاع النبيل.
أما الموقف الثاني: فهو موقف ابن تيمية عندما أراد السلطان الناصر محمد بن قلاوون حاكمُ مصر سنة 709هـ أن ينتقم من بعض العلماء والقضاة الذين كانوا قد أفتوا بخلعه. فاستدعى الشيخ ابن تيمية وكان من المعظمين المجلّين له، وشاوره في الأمر وطلب منه أن يكتب له فتوى بجواز قتل هؤلاء العلماء! فأنكر ابن تيمية أن ينال أحداً منهم بسوء، فقال له السلطان: ولكنهم أعداؤك وقد آذوك مراراً، فرد الإمام: من آذاني فقد عفوت عنه، وإنك أيها السلطان لو قتلت هؤلاء العلماء فلن يبقى لك مثلهم في دولتك، وما زال به حتى صرفه عما أراده من الشر.
وقد علق على هذا الموقف النبيل القاضي ابن مخلوف بقوله: ما رأينا مثل ابن تيمية حرَّضنا عليه فلم نقدر عليه، وقدر علينا فصفح عنا!
وهذه المواقف قد دونها كثير من المؤرخين وأصحاب التراجم والسير القديمة منها والحديثة.
ترى كم نحن اليوم بحاجة إلى هذه النفوس الكبيرة، وبحاجة إلى الترفع عن أحقادنا الصغيرة وضغائننا التافهة عند حصول النزاع والاختصام فيما بيننا.