أحذية فان جوخ

يذكر كلايف بل في كتابه «الفن» أنه عندما زار باريس كان يشاهد شباباً لا يقومون بأي عمل، ولا يملكون وظيفة سوى أنهم يمسكون بكراساتهم وأدواتهم ليرسموا وليشكلوا فنهم الخاص بهم. وإذا تلفت أدواتهم قاموا بمسح الأحذية وبيع الجرائد حتى يجنوا ما يكفيهم من مال لكي يشتروا بهذا المال كراسات وأدوات الرسم، ويقول: «إنهم كانوا حَرِيين بأن يقتلوا أو يصيبوا أي شخص يقترح عليهم التوفيق بين فنهم ومتطلبات السوق.» وكان يسميّ هؤلاء الشباب: بالمتدينين، لأنهم رهنوا كل شيء ولديهم الاستعداد للتضحية، حيث تركوا زوجاتهم وأولادهم، وحياتهم كلها، وتفرغوا لفنهم.
من يفهم الفن حقيقةً لن يعجب من هؤلاء الشباب الذين رموا بأنفسهم للتعبير عما بأرواحهم عن طريق الخطوط والألوان التي يشكلونها على لوحاتهم.. هؤلاء هم الفنانون.
والفنان يملك عينين مختلفتين عن سائر الناس، فهو يرى الأشياء من حوله جميلة في ذاتها، ونستطيع أن نُبرهن على ذلك بذكر أحذية فان جوخ المشهورة، لكن ما الذي جعل أحذية جوخ مميزةً في أعيننا بهذا الشكل؟ وجعلنا نُؤوّل معنى هذه الأحذية ويؤوّلها معنا كثيرٌ من الفلاسفة والفنانين إلى معان كثيرة؟ إنهما مجرد فردتي حذاء مستهلكتين، لماذا كل هذه الهالة حول أحذية جوخ؟ ببساطة، السر في عيني جوخ وروحه اللتين نقلتا لنا هذا الشعور بأن في الأحذية سرا وجمالا أكثر بكثير مما هي علـيه في أعيننا.
إن أعلى درجات مراحل الفن، كما يزعم كلايف بل، تنقلنا إلى حالة من الجمال نتجاوز معها كل ما هو مادي، إنها تنقلنا إلى شعور روحاني كما يشعر به المتصوفة، وخصوصاً عـندما تتطابق الخطوط والألوان التي انتزعها الفنان من روحه مع ما يشعر به مشاهد اللوحة، هنا يستطيع المشاهد أن يستشعر جمال الفن في أعلى درجاته. إن الأمر نفسه ينطبق مع من يستمع إلى الموسيقى، فيجد نفسه متفاعلاً مع نغمات تلك الموسيقى الإيقاعية ارتفاعاً وانخفاضاً، لأنه شعر تماماً بما يشعر به ملحن هذه أو تلك القطعة الموسيقية.
ويذكر بل أن الشعر والأدب يأتيان في مرحلة خلف الموسيقى واللوحات، ويعلل ذلك بأن الشعر والأدب يعتمدان على الفكرة، والفكرة شيء دنيوي، أما الشعور الذي نشعر به من الاستماع للقطعة الموسيقية أو مشاهدة اللوحة فيجب أن يتجاوز الفكرة، ولذلك يعتب كلايف بل على أولئك الذين يحوّلون مواضيع لوحاتهم إلى أفكار، فالجمال الذي يجب أن يشعر به المشاهد لا ينبع من فكرة، بل من توازي وتقاطع الخطوط والألوان. وأضرب بلوحات فان جوخ وكميل بيزارو أمثلة أخّاذة لما يقصده بل.. فلوحات جوخ تسحرنا دون أن نعرف السبب. إنها ساحرة، لأننا نعرف أن سبب جمالها هو طريقة تصوير جوخ وبيزارو للحقول وظلام الليل وانعكاس النجوم والأضواء وغيرها.. إنها الرؤية التي يملكها كل من جوخ وبيزارو، وهي التي تشعرنا بالجمال الساحر.
إن مواضيع الفن موجودة من حولنا.. في الشوارع، وفي الحدائق، وفي تصميم الكراسي، وفي الدكاكين، وفي لوحات المطاعم، وفي أشكالنا ومظاهرنا، وفي المتاحف، وفي المكتبات، وفي السماء، وفي كل مكان، ولذلك يسخر كلايف بل من أولئك الذين يأخذون الأطفال إلى المتاحف مخيفين هؤلاء الأطفال المساكين من أحجام تلك اللوحات الكبيرة، مارين بهم من خلال الأسياب الضخمة الكئيبة ليعلّموهم الفن.. والفن لا يُعلم ولا يُتعلّم، إنه حالة إنسانية بحتة، لا يتم تلقينها، وإنما تستشعر من قبل الإنسان وحده، ولذلك الأذواق تختلف، وأسلوبنا في التعبير والانجذاب والتقزز يختلف من شخص لآخر.
وبخصوص التجربة الفردية لاستشعار الفن، يضيف كلايف بل أنه لا يحب من يسمّون بالنقاد. ويتساءل كلايف: من الذي يحدد ما إذا كانت هذه اللوحة جميلة أم لا؟ وما قيمة رأي الناقد إذا كان الشعور بالجمال حالة شخصية؟ وأضيف أنا: هل يمكن أن يكون رأي الناقد عنصراً في تزييف التجربة الجمالية الشخصية للإنسان؟ فتصميم المتاحف ووضع اللوحات وطريقة توزيعها، ومن يختار أن تكون اللوحة الفلانية في المكان الفلاني، واللوحة الفلانية في المعرض الفلاني.. جميعها تحدد قيمة اللوحة بشكل غير مباشر. ولقد استطرد كلايف بل في كتابه الرائع «الفن» بالحديث عن الفن، وما هو الفن، وعلاقته بالدين والأخلاق والتاريخ، وتحدث عن الحركة المعاصرة للفن، وعن سيزان، حيث خصه بفصل كامل، واصفاً فن سيزان بأجمل الأوصاف، وكان وودي آلن يصف في أحد أفلامه أن الحياة تستحق أن يعيش الإنسان لأجلها لكي يشاهد لوحات سيزان.