طه حسين..الغائب الحاضر
السبت، ٢٤ مايو ٢٠١٤
ما إن غربت شمس اليوم الأول من شوال عام 1393هـ حتى غيّب الموت المفكر والكاتب والناقد المصري العظيم طه حسين، الذي كان ولا يزال ينعت بعميد الأدب العربي، وكان رحمه الله طوال حياته جذوة مشتعلة من النشاط، حرّك الحياة الأدبية الراكدة ونفخ في نارها لتزيد اشتعالا وانطلاقا، بعد أن كانت عجلتها تدور في بطء ووناء.
وخلال فترة نشاطه الأدبي الذي امتد ما بين أوائل العشرينات الميلادية وأواخر الستينات كان يملأ الجرائد والمجلات بوفر دائب من مقالاته التي كانت تأسر القراء بما فيها من طرح جريء وسبر عميق لكثير من القضايا النقدية والأدبية التي كان يتناولها سدنة الأدب واللغة بكثير من التقليد والمماحكات المكرورة. وقد شهدت صحافة العصر معارك حامية الوطيس كان يؤجج أتونها طه حسين والرافعي والعقاد وغيرهم، وكانت هذه المقالات التي ينثرها طه حسين في الصحافة لا تلبث أن تجمع في كتاب ينشر بين الناس، وهكذا حصلنا على حديث الأربعاء، ذي الثلاثة أجزاء، الذي يدور حوال آرائه في الشعر العربي وشعرائه منذ شعراء المعلقات كزهير ولبيد وعنترة إلى عصر أبي نواس ودعبل وأبي تمام، وقس على ذلك أيضا كثيرا من أعمال العميد الأخرى، ككتابه عن المتنبي وعن أبي العلاء، وأعماله القصصية كـ (على هامش السيرة) و(المعذبون في الأرض) و(شجرة البؤس) و(ما وراء النهر)، ناهيك عن سيرته الذاتية (الأيام) التي نشرها على الملأ أوائل الثلاثينات. ورغم أن ظاهرهذه السيرة سردٌ شخصي لنشأة العميد وتربيته ورحلته لطلب العلم في الأزهر وفي الجامعة ثم سفره آخر الأمر إلى باريس، إلا أن الكاتب يسلط قلمه هنا على كثير من السلوك التسلطي وغير العلمي الذي عانى منه هو مع مشايخ الدرس عندما تلقّى عليهم دروس اللغة والبلاغة في الأزهر.
ورغم كثرة إسهام طه حسين في خدمة الأدب العربي طوال تلك الفترة التي تقرب أن تكون حقبة فإنك ستتعجب إذا وجدت أناسا لا يعرفون من طه حسين إلا شيئين: رأيه في انتحال الشعر الجاهلي، وآراءه التحديثية في (مستقبل الثقافة في مصر)، وهو كتاب مهم بث فيه طه حسين رؤاه المتعلقة بإصلاح التربية والتعليم والثقافة في مصر، ويؤخذ عليه فيها مقولات عدة، منها رأيه في ارتباط مصر بشعوب البحر المتوسط وأوروبا. والرأي أنهم لو تعمقوا طه حسين حقا وقرؤوا طائفة من كتبه لوجدوا كم هو متشبث بالشعر الجاهلي، وكم هو محافظ أيضا على الهوية العربية الإسلامية لمصر ولسائر الأمة العربية.
فأما الانتحال، أو ما عرف بقضية الشعر الجاهلي، فهي قضية قديمة حقا، و»حيثياتها» موجودة و»موثقة» منذ عصر ابن سلام، وأما «لائحة الاتهام» فتشمل شرذمة من الرواة المتكسبين بالشعر منهم حماد الراوية تحدث عنهم ابن سلام في كتابه طبقات الشعراء أو طبقات فحول الشعراء كما يرى محمود شاكر، غير أن الذي يُسجل ضد طه حسين هنا هو زيادة الطرق على هذه القضية القديمة حتى أحدث جلبة شديدة أيقظت كثيرا من سدنة الأدب والشعر، فهبّوا للدفاع عما يرونه خليقا بالدفاع والمنافحة، ومع ذلك قد لا تجد ناقدا كاتبا ذائعا أكثر استشهادا بالشعر الجاهلي، بل وإعجابا بصوره من طه حسين! في جميع كتبه وأماليه، ليس في كتبه النقدية فقط بل حتى في كتبه القصصية وفي صوره الفنية وأخيلته البلاغية، ألا ترى كيف وصف (خديجة)، وهي إحدى شخصياته في (المعذبون في الأرض)، بأنها ذات وجه ناصع جميل نقيّ «كأن الشمس ألقت عليه رداءها»، مستعيرا هذه الصورة طبعا من طرفة بن العبد حيث يقول: ووجه كأن الشمس ألقت رداءها.. عليه نقي اللون لم يتخددِ.
لذا فإعجاب طه حسين بالشعر القديم والجاهلي على نحو خاص لا يكاد يفارق إنتاجه. صحيح أن العميد لم يصدر بيانا يسحب فيه شكوكه التي أثارها في كتابه الأدب الجاهلي والتي سبّبت له قطيعة بينه وبين بعض كبار تلاميذه، إلا أن لسان الحال أبلغ من لسان المقال، لكني أرى أن الرأي النقدي الذي ما زال يؤخذ عليه حقا هو اكتفاؤه بأمثال أبي نواس وحماد عجرد وبشار وأضرابهم من شعراء المجون للحكم على القرن الثاني للهجرة، ووصفه بأنه عصر زندقة ومجون وتهالك على ضروب المتع الساقطة، وضربه صفحا عن غيرهم، أي النماذج المشرقة من العلماء والحفاظ ورواة اللغة وأساطين العلوم الذين وضعوا، أو بالأحرى دوّنوا أمهات العلوم في ذلك العصر الذهبي، الذي صوره العميد -غفر الله له - من خلال أبي نواس وأشباهه، ولكن هذا لا يجعلنا نغفل درسه العميق لجوانب الصنعة الفنية في شعر أولئك النفر من الشعراء.
وإن محافظة طه حسين لتبدو لنا ظاهرة جلية في نقده، فمن يقرأ نقده لأعمال الشعراء والكتاب والمسرحيين والقصاصين ممن بزغ نجمهم في عصره ليرى عيانا كم هو محافظ حقا على قوانين اللغة وضوابط الشعر ومسائل الفصاحة والأسلوب والذوق الأدبي السليم، وكم رأيناه ينعى على بعض شعراء العصر - مثل إيليا أبي ماضي ومحمود أبوالوفا- ميلهم إلى اعتساف القافية مثل اختيار قافية السكون التي تحيّد الحركة الإعرابية (فتُبطل مفعولها) وتذهب بالنهاية الموسيقية للبيت، وكان الرجل- أعني طه حسين- ذا أذن مرهفة تكشف عوار القافية وخلل الإيقاع بلمح البصر، ألم يأخذ على المتنبي استعماله لقافية الزاي في إحدى مدائحه حين قال:
شغلتْ قلبه حسانُ المعالي
عن حسانِ الوجوهِ والأعجازِ
تقضم الجمرَ والحديدَ الأعادي
دونه قضم سكر الأهوازِ
فقال طه حسين: لو لم يستعمل المتنبي هذه القافية لما احتاج إلى سكر الأهواز! وأنا أزيد ولما احتاج أيضا إلى التشبث بالأعجاز! وهي حقا قصيدة تبدو في الديوان كالقذى يبدو في العين. ولكني أعود فأقول إن العميد أنصف المتنبي فنيا- والحق يقال- في مواضع جد كثيرة، وطفق يشيد ببراعته الفنية في درسه الطويل لآيات الإبداع في مثل (أمعفرّ الليث الهزبر بسوطه) و(وفاؤكما) و(لياليّ بعد الظاعنين شكولُ) و(غيري بأكثر هذا الناس ينخدع)، وبغيرها من القصائد.
كما انتقد العميد أولئك النفر من الشعراء المحدثين الذين ذكرتهم أعلاه لميلهم إلى الحشو وخلوّهم من الفكرة، وجنوحهم إلى أسلوب النظم، فضلا عن وقوعهم في اختلال الوزن والعروض.. ولعلنا في وقفة أخرى نبين حقائق غائبة عن الأديب العظيم.