جازان تعتذر إليكم

جازان ليست كما تعتقدون، تتباكى، أو تذرف بحمم كذوبة من مآقٍ امتهنت الفجور، وتسلقت لترتقي بإراقة ماء الوجه، ولا تتزلف بضحكة إعجاب على ما لا يُضحك فتصغر بوجه ذي الجاه والنفوذ فيمتهنها على ما هي هينة على نفسها.
أرض تفاخر بقومها، بحواضرها وريفها، فلا بوادي لها، نعمها من باطنها، مياهها لا شح فيها من إله منحها، فله المنة عليها، ألسِنَة قومها يتكرر منها الحمد والشكر للمنعم.
يعشقون وطنهم سواء كانوا قضاة، أو علماء، أو مزارعين، متسببين، أو تجارا ورجال أعمال، أو ضباطاً وجنوداً، أو معلمين، أو مهندسين، أو أطباء، أو موظفين بمختلف رتبهم أو غيرهم كثير لن تجد بينهم ناكراً لجميل، بل يلهجون بالحمد والشكر لله على نعمة الأمن والأمان، ويدعون لمليكهم بالصحة والعافية، ولوطنهم بالرخاء، حتى الجائع والسجين والمحروم لن تجد أحداً منهم يحيد عن الثوابت، وإن احتدَّ يوماً لضياع حق أو مماطلة في معاملة.
يستهلون حديثهم بـ»اذكر الله وصلّ على النبي» ثم الشروع للتحدث عن مطالبهم أو شكواهم لحاكم، بإيمانيتهم التي فُطِروا عليها، ليسوا بطالبي شرهات وامتيازات، بل يطالبون بحقوق، ويشتكون من جور ومظالم وقعت عليهم. شديدو الحلم، سريعو الغضب إن أحسوا بما يخدش كرامتهم، وهذا يجعلهم يردون بذكاء لا بجلافة أبلَه، أو تنكر منتفع حال انتفاء حظوته، يذكرون من سبق بالخير، ويدعون لقادم بالتوفيق، لا يطلبون لأنفسهم جاهاً، بل الجاه هو من يحبو إليهم، وإن فارقهم يوماً فسيخسرهم.
ومع هذا ضُرِبوا في مقتل، أراضيهم تقيَّم بأبخس الأثمان بينما جيرانهم شمالا تقيَّم أراضيهم وعقاراتهم بأضعاف مضاعفة؛ فنالوا أموالاً ضخمة من خزينة الحكومة التي لا تأخذ أرض مواطن لمشروع بل تعوضه، ومنها نزل إليهم من أٌتخمت أرصدتهم، وانتفخت محافظهم من غزارة تعويضاتهم، ليشنوا هجمة طفراوية شرسة بالهجرة جنوباً لشراء أراضٍ من الأرياف، منها ما كان لأيتام أو عجزة، وبواسطة سماسرة من بني قومهم ولكل قاعدة شواذ.
من وزارة البلديات جاء أمينٌ حسبناه سيغير صورة انطبعت عن ممارسات قيلت ونشرت عن موقعه السابق، وجد من يهمس له ويلقي عليه درساً مفاده أن قومي يزيفون وثائق وحججا عادية، ولسان حاله: «تصور أن كل الخبوت والفيافي والجبال يعدونها ملكاً لهم بحجج عاديَّة، مساحات مزارع كل قرية أضعاف أضعاف دورهم فاشحذ الهمة يا أمين! فاستجاب بحسبانه في أرض قومها بُكمٌ أو عديمو ثقافة، وعلم، فاستفاقت حمم من أفواه، وشظايا من أقلام، ووابلٍ من بنان في مواقع لم ترحم وبالحق نطقت وما تجاوزت، لم تخدش، ولم تتناول عورات شخوص.
مرفق هام يتعلق بحياة الإنسان لا ينقصه علم ولا يفتقد لخبرة، ولا تعوزه كفاءة مهنية في تخصصه، الأُمنية لو جاء يمارس مهنته وطبابته، ولكن بعد وقت قصير شمر عن ساعد، ثم أوكل لبعض المحيطين ليستبدلوا بالأكفاء ويحلوا مكانهم من يمونون عليهم، عادت شركات صيانة ونظافة كانت حظرت لفشلها بتحقيق الأمن البيئي في أهم الأماكن حيث يستودع المريض.
البحر يشكو هجر أهله؛ وما هجروه بمحض إرادتهم، وهواهم، ولكنهم مكرهون لضيق ذات اليد عن شروط فُصّلَت على مقاس المهاجرين بموسم الشتاء، من أناس وجدوا من يمرر لهم تراخيص صيد، ويحجبها بشروط قاهرة عن أهل بحر هم ربابنته وعاشقوه، هو مصدر رزقهم فلا أراضي زراعية لديهم، بل هم قوم أهل صيد وقناعة.
طرقها ما زال لون اسفلتها كالحا باهتا، ينخرها مزنٌ، وهتَّان من دمع السماء، كثيرٌ من الطرق لا تُعمّر أكثر من ستة أشهر إلا ويعاد كشطها وتجريفها، وإلى ترسية مشروع آخر وموازنة أُخرى مع نفس المقاولين الاحتكاريين، الأرخص سعراً والأسوأ جودة.
الكهرباء ضنت بها الوزارة، وأحد أبنائها مجتهد متجاوب نزيه اليد إلا أنه غير منافح، قنوع، يعمل بلا كلل، لكنه ليس شرساً شراسة محمودة لانتزاع حقوقها بخطوط ضغط عال أرضية، وبتجديد شبكات تتلاءم مع أجوائها الممطرة، فمع أول رشقة مطر تبيت عمياء، فيما مناطق مجاورة لا يصرف ساكنوها معشار ما ينفقه أبناؤها من مبالغ جراء حرارة الطقس، فلا تئن شبكاتها أو تلقي بالًا لبروق ورعد وأمطار غزيرة. شوارع مهملة مكسرة ما بين ممالأة بلديات لمشاريع مياه ومقاولين يتحجج رؤساء البلديات أنهم ليسوا مخولين بالتعاقد معها، بل حتى من يشرف على مشاريعها إشرافاً وتنفيذاً لخدماتها ومشاريعها، لم يتعاقدوا هم معها بل من اختصاصات الأمانة، ولازمة وزارة بمشاريع تعبيد وسفلتة موقتة منذ نصف قرن، تجدد سنوياً، كي يستمر التعاقد، بنظام مناقصات يلزم مقاولين محلييَن لا غيرهما، حصريين، واحترام وقت العمل في وادٍ وكثير من الفنيين في وادٍ آخر. مع بطء مشاريع مياه وبين تعثر شركات من الباطن أضحى موظفون لا يمتلكون شهادة ثانوية يعقدون صفقات من الباطن لتنفيذها ببعض مدن وقرى إحدى المحافظات. قرى ما زالت تئن من لظى وايتات، لم تصلها المياه، ولا يزال في الفم ماء، ولكن أكثر منه ثقة في دولة نياتها حسنة، معتقدها لا نشكك فيه، توج ذلك بمشاركة مليك البلاد لمواطنيه حين يجأرون من فساد، وبكلمته القصيرة ـ يحفظه الله ـ بجلسة إقرار الميزانية، «اتقوا الله في مواطنيكم، الأمانة، الأمانة».