مليارات تطوير التعليم الضائعة.. مسؤولية من؟

بعد أن وافق رجل التعليم «الأول» و»عرابه» خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز (حفظه الله) على دعم برنامج عمل تنفيذي لتطوير التعليم العام، مدته 5 سنوات بتكلفة بلغت 80 مليار ريال، إضافة إلى ما يتم تخصيصه سنويا للوزارة في الميزانية العامة للدولة، وتشكيل لجنة وزارية من الوزراء ذوي العلاقة لتولي الإشراف العام على تنفيذ برنامج العمل الذي أتى لدعم وتحقيق أهداف مشروع تطوير التعليم العام، ولتلبية الاحتياجات الضرورية والتطويرية التي تحتمها المرحلة الحالية والمستقبلية، ووضعت الوزارة الآلية التنفيذية للإشراف على البرنامج بما يمكنه من تحقيق غاياته وأهدافه، يقول وزير التريبة والتعليم الأمير خالد الفيصل إن هذه الموافقة الكريمة ستنقل التعليم العام نقلة تاريخية نوعية متقدمة سيجني الوطن وأجياله القادمة من البنين والبنات ثمارها، وإن البرنامج سيسهم في تطوير أداء المعلمين والارتقاء بهم وتجويد عمليات التعلم والتعليم، وتحسين مستويات طلابنا وطالباتنا.
ويضيف الأمير خالد الفيصل أنها ستدعم البرنامج التأهيلي النوعي للمعلمين من خلال برامج دولية لما يقارب 25 ألف معلم ومعلمة، وسيشمل كذلك دعم التوسع في رياض الأطفال من خلال افتتاح 1500 روضة أطفال، ودعم مخصصات المستلزمات التعليمية والنشاط للمدارس، ومنح قسائم تعليمية لطلاب وطالبات التربية الخاصة في حالات محددة لتوفير التعليم من خلال القطاع الخاص.
ولأن رؤية الأمير خالد حول التعليم طموحة ومتفائلة، هو القادر على إعادة رسم استراتيجية التعليم، سأضع بين يديه أسئلة ملحة يغلفها طموح عال ورغبة أكيدة في الحصول على تعليم مميز يوازي ما يضخ في هذا القطاع من أموال، وهذه الأسئلة منطقية ولا يمكن وصفها بغير ذلك، وليست حصرا على فئة دون الأخرى، بل تتشاركها كافة أطياف المجتمع، وتتمحور هذه الأسئلة في مجملها حول الآلية التي ستنفق بها هذه المليارات، وهل هناك رؤية وخطة عمل استراتيجية يُلتزم بها، وتُنفذ على مراحل؟ وعما إذا كانت هناك رقابة صارمة على آلية إنفاق هذه الأموال؟ وآلية لمراجعة وتصحيح لأي انحراف في التنفيذ؟ وما دور شركة «تطوير» في هذه المرحلة؟ وأين دورها في المرحلة السابقة؟ وإن كان دور الشركة ومستوى بعض العاملين فيها دون مستوى الطموح، حيث رافق اختيار بعض أعضائها وموظفيها المحسوبية والواسطة البغيضتان.
هذه الأسئلة لم تأت من فراغ، بل حركها غياب أي أثر لمخصصات المرحلة الأولى، والبالغة 9 مليارات ريال في تطوير التعليم الذي يمثل مستقبل أبنائهم، بل بقى واقع التعليم مؤلماً حتى للعاملين فيه!! ولذلك من حق أي مواطن أن يتساءل عن مصير هذه المليارات؟ وما المردود الفعلي الذي تحقق جراء إنفاقها؟ رغم أن كل الدلائل تشير إلى أن هذه الأموال ذهبت «أدراج الرياح» و»هباءً منثوراً».
فمن غير المعقول أن تتفوق السعودية على دول كبرى كأمريكا وبريطانيا في نسبة الإنفاق على تطوير التعليم في 2008، وتتبوأ في المرتبة السابعة من بين 45 دولة شملتها الدراسة في مجال الإنفاق على قطاع التعليم مقارنة بإجمالي الإنفاق الحكومي برصد نحو 19.6% من إجمالي الإنفاق الحكومي لتطوير التعليم، متقدمة بذلك على الولايات المتحدة، الذي يبلغ إنفاقها على التعليم نحو 13.81%، والمملكة المتحدة فيها 11.26%، وأن يستحوذ قطاع التعليم في السعودية على 220 مليار ريال بما نسبته 24.56% من إجمالي ميزانية العام الجاري، ولا يزال تعليمنا بهذه الحالة المتردية مع الاحترام الكامل لكل العاملين فيه.
ورغم أنه وفقاً للمنطق الاقتصادي وقياساً على نسب الإنفاق والمخصصات التي خص بها التعليم في السنوات الأخيرة، يفترض أن يكون التعليم مثالياً في كل شيء بدءًا من المباني المدرسية، ومروراً بالمناهج، والمكتبة، والمعامل المدرسية، ووسائل التقنية، والمعلمين، وانتهاءً بالمخرجات، لكن ذلك لم يكن، ولم يشفع الإنفاق العالي على التعليم العام في السنوات الماضية في تحقيق طموحات القيادة، وأحلام البسطاء الراغبين في تعليم مميز لأبنائهم.
ولتلافي مصير الـ 9 مليارات السابقة، وضمانا لنجاح خطة تطوير التعليم، ينبغي إعادة هيكلة شركة «تطوير» هيكلة كاملة، وفق آلية تركز على انتقاء أفضل الموظفين ذوي التأهيل والتعليم العالي، وأن يكون هناك آلية واضحة لضبط الإنفاق، ورؤية وخطة عمل استراتيجية يلتزم بها، وتنفذ على مراحل.