أزمة صناعة القدوة

تتبارى المجتمعات المتحضرة في صناعة القدوة بوصفها أنموذجًا يسهم في تحقيق سلسلة من المنجزات الناجحة المتتالية في ظروف قاسية، وتروج لذلك في وسائل إعلامها وثقافتها، كما تقدمه في تعليمها في كافة مستوياته، من أجل إلقاء الضوء على تلك التجارب الإنسانية الفريدة، البعيدة كل البعد عن ممارسة العنف وسطوة الأدلجة، ومن خلال هذا تتشكل قدوات تتباين في منجزها، لكنها تتفق على الوصول إلى مطامح الإنسانية المعتادة كالسلام والاستقرار، ومن ثمّ خلق المجتمعات المحافظة على السلام، إلى جانب ذلك تبرز قدوات تجسّد قيم الدعم والتعاون للناس في حال الأزمات، وما يتصل بهذا من الغايات النبيلة التي تسعى البشرية إليها، ولذلك تتكاثف الجهود في سبيل الترسيخ لهذا المنجزات الوطنية التي تتحقق في مواطنيها، ويمتد انتشار هذا النموذج القدوة إلى المجتمعات الأخرى والثقافات المتعددة ليصبح رمزًا تعتز به الأمة المنتجة، وقدوة تحاكيه الأمم الأخرى.

وإذا كان ما تقدم يمثل القدوة والمثال في تعريف القدوة النظريّ، فإن لنا أن نتوقف للنظر في ممارسة ثقافتنا المعاصرة على إنتاج قدوة وأنموذج معاصر خلّاق، إذ يمكن التأكيد على عدم نجاح تعليمنا ولا وعاظنا خلال عقود مضت في إنتاج صيغة للقدوة في الوطن، ذلك أن صناعة القدوة لدينا استمرأت طريقًا مختلفًا، فكانت أشبه بعملة ذات وجهين: الوجه الأول منهما شيخ متطرّف حدّ التفجير، وهو ذلك الذي يتسم بسمات محددة أبرزها التوجه إلى هدر الأرواح، والدعوة دائمًا إلى العنف والقتال، أما الوجه الآخر فهو شيخ متطرّف حدّ التبذير، وله سمات محدّدة في التعامل مع المال، وتبذيره على ملذاته في وجوه لا يقوم بها الإنسان المعتدل، ولا تقبلها الفطرة، وبدا لكثير من الناس أنهما وجهان متناقضان، ولكنهما وجهان متشابهان، ولهذا كان جمعهما في التشبيه بعملة تتوحد في وجهين مشوهين: المشيخة والتطرّف، مشيخة تدين ومال، وتطرف في بذل ما تملكه. لقد نجحت ثقافتنا بامتياز في إنجاز هذين النموذجين، وأخرجتهما إلى شبابنا للارتكان إليهما، ومن ثمّ كانت التجربة التعيسة بالاقتداء بهما، في تطرف يتصل ببذل غير مقنن للروح والمال، خلافًا لما يُقال عن خصوصية وطننا واتجاهه.

لم تخفق الثقافة في تصدير هذين النموذجين إلى خارج الوطن، ولا سيما إلى البلدان التي تعاني فقرًا في وجود القدوة المناسبة، فانخدع بعض أبنائها كأبنائنا، واعتقدوا أن هذا هو الوجه الحقيقي للإسلام، وتجاهلوا علاقات هذين النموذجين، في إهدار الأرواح والأموال. ولعل استيراد النموذج القدوة إلى مجتمعاتنا ولا سيما الأول منهما قد أدّى بالفعل إلى هذا التبادل غير المحمود لنماذج غير ناجحة لا تليق بأمم تعيش في القرن العشرين، وتتطلع إلى التعايش مع حضارات أخرى، ونتيجة لذلك نلحظ أن القدوة الصالحة المبنيّة على السلام والباحثة عنه تتوارى عندما تظهر تلك القوى السلبيّة التي تروج لما سبقت الإشارة إليه، ما يسفر عن تقهقر المجتمع وعجزه عن أن يكون إيجابيًا وقادرًا على إنتاج نماذجه.