يا لغتنا الخالدة...

لا يمكن لنا في يوم لغتنا العربية العالمي الذي يصادف اليوم الخميس 26 من الشهر الحالي صفر هذا العام 1436هـ؛ إلا أن نفاخر بها ونحتفي مع أبنائها في يوم عيدها في كل مكان، لكن ونحن نغازلها فخرا وعشقا لا يمكن لنا أن نخفي قلقنا من حالها مع هذا الجيل الذي (هجرها) إلى لغات ولهجات، وتخلى عنها وهي تمثل هويته. 
وهجرانها قد طال منذ أن شكتهم على لسان حافظها:
رموني بعقم في الشباب وليتني عقمت فلم أجزع لقول عداتي 
إلى اليوم، لكن عقوق بنيها في السنوات الأخيرة قد فاق ما فات من عقود، وليت هذا الجيل علم كيف كان ابن عمر - رضي الله عنهما - يعاقب ولده كلما سمع لحنا على لسانه! فكيف لو سمع جيلنا الحالي وهو (يكسّر) اللغة العربية على لسانه.
لكن دعونا نتحدث بصراحة كيف نريد سلامة لغتنا العربية على ألسنة بنيها وهي في محاضن التربية والتعليم لا يحتفى بها تطبيقا، (فشرح) بعض المعلمين لطلابهم يتم في غالبيته (باللهجة) وبعضهم يُغرق في عاميته، ولا أقصد أن تستخدم اللغة الفصيحة كما في بطون أمهات الكتب للشرح، لكن اللغة الوسط الخفيفة. كذلك (الشعر الشعبي) أصبح يجري على ألسنة الطلاب كما «مجرى الفرات» وتحفظ قصائده وتحضر بقوة في مناسبات أهل التعليم، بل غزا الإذاعة المدرسية وأصبحت «الشيلات» تشنف أسماعنا كل يوم وهي تصدح عبر مكبرات المدارس.
(القراءة) هُجرت، (المكتبة المدرسية) حُشرت في زاوية مظلمة من مركز المصادر بالمدرسة بوصفها من مصادر التعلم، وهي مصدر معرفة لكن دورها خفت لأن المعلم يستخدم مركز المصادر كفصل تعليمي تقني (وكان رأيي، وما زلت عنده، أن تخرج المكتبة المدرسية إلى موقع بارز بالمدرسة، يسمح للطلاب بأن يرتادوها، ويستعيروا كتبها، كما كنّا تلاميذ لا نفارقها أثناء فسحة المدرسة، هذه المواجهة للغة العربية في مدارسنا، ولو خرجنا إلى خارج أسوارها لرأينا أشكالا من الحرب تواجهها اللغة العربية بداية بحرب القنوات الفضائية «المحكية باللهجات العربية، المشكّلة من كل شكل ولون! «حرب اللوحات في الشوارع التي تعلو المحال وقد كتبت بأسماء أجنبية، حتى إن مراكزنا التجارية في غالبها تتسمى بمسميات (غربية) وأصبحت كلمة (المول) هي الفصيحة الحاضرة على ألسنة الناس بدلا من كلمة (سوق أو مركز أو مجمع).
دائما نقول إن اللغة العربية (وعاء) للعلم والمعرفة، و(مستودع) للتراث، و(سجل) للثقافة، لكنْ قليل من يروي ظمأه من هذا الوعاء رغم عذوبته وصفائه، ومن يفتش في كنوز هذا المستودع الكبير، ومن يقلّب صفحات هذا السجل الثري، ولعل قول شاعر النيل عنها: 
وسعت كتاب الله لفظا وغاية
وما ضقت عن آي به وعظات 
أبلغ من وصفي لها، وحين يصفها:
أنا البحر في أحشائه الدر كامن 
فهل ساءلوا الغواص عن صدفاتي
إن لغتنا العربية التي تحتفي بها الأمم المتحدة معنا بتحديد هذا اليوم العالمي «18 ديسمبر من كل عام»، ولكوني أحد منسوبي الميدان التربوي، أقول: نحن بحاجة إلى أن نحتفي بها على الدوام، في مدارسنا، في مناسباتنا التعليمية، وأن نكثّف برامجها عبر أنشطة مدرسية متنوعة، ونرعى حضورها داخل فصولنا الدراسية، ونقوّي وسائل دعمها، كإحياء المسابقات الثقافية كما كانت في زمن فات، ومن خلال العناية بحضورها في حفلاتنا المدرسية، وفي برامج الإذاعة المدرسية، وكم كانت الإذاعة المدرسية مدرسة! تخرّج فيها أدباء ومثقفون، ومذيعون لامعون عرفناهم وقد كانوا تلاميذ. 
وأن تفتح المكتبة المدرسية أبوابها للطلاب لتعيد وهج القراءة وصداقة الكتب والقصص كما كان عهد جيلنا بها، لا سيما وجيل اليوم «الحاسوبي» ابتعد عنها إلى الأجهزة التقنية، ليهدر معها وقتا ثمينا في اللعب، حقيقة اللغة العربية على ألسنة أبنائها باتت غريبة، ومعوجّة، وغير مستقيمة، فلنتّنبه لهذا الخطر.
وختاما أودعكم بقول لقيط الإيادي:
لقد بذلت لكم نصحي بلا جدل فاستيقظوا إن خير العلم ما نفعا