ثم إني وإنني
الجمعة، ٣٠ يناير ٢٠١٥
دفعتني عنايتي بنظرية الأدب إلى كتاب يحمل هذا الاسم، ووطنت نفسي على أن أفرغ له يوما أو يومين، لأفيد مما انطوى عليه من تليد هذه النظرية وطريفها، وقلت: عسى أن أجد في صفحاته ما يختلف عن تلك الأصول التي نلفيها لدى الناقدين الجليلين أوستن وارين ورينيه ويلك، أو لعلي أظفر بشيء يشبه ما عليه كتاب الناقد العربي عبدالمنعم تليمة، فذلك أجدر بأن يفسح لي معرفة واسعة بالأصول الفلسفية التي قام عليها الأدب ونقده، مهما تنوعت المذاهب والتيارات.
وما إن أخذت أقرأ في الكتاب المظنون أنه في نظرية الأدب حتى استغلق عليَّ، فلم أهتدِ إلى مراد صاحبه، ولم يكن ما حال بيني وبين ذلك الكتاب اصطلاحات جديدة تباين ما اعتدته من أصول تلك النظرية، بل كان باعث الاستغلاق والغموض أن الكتاب بكامله، إلا صفحات يسيرة منه، إنما هو أدنى إلى تلك الأوراق التي نلفيها في المستشفيات، يصور فيها المختصون درجات السمع صعودا وهبوطا، فجعلت أتأمل تلك الصور الغريبة، تتلو إحداهن الأخرى، حتى يتم الكتاب، وحسبت لولا أنني أعرف الكتاب وأعرف الكاتب، أن كتابا في الطبيعة، أو لا أدري ما أسميه، وقع بين يدي، خطأ.
ثم ثبت إلى نفسي، وخيلت إليها أن بإمكاني أن أفيد من تلك الرسوم علما في الأدب ونظريته، وأنه لا ينبغي أن أجعل تلك الرسوم والتصاوير سببا في دفع كتاب أريد له أن يقدم لقارئه جديدا في نظرية الأدب.
وفي الحق إن هذا الضرب من الكتب يكلف الأدب والنقد فوق ما يحتملان، فمعرفة الأدب أيسر طريقا من هذا التشبه الذي لا يستقيم بالعلوم الصحيحة، وما أشق الشعر وما أشق النثر إن توسلنا إلى تذوقهما بتلك الرسوم والتصاوير التي يصعب على القارئ أن يصل إلى خيط البداية منها، وأحسب أن الباحث شق على نفسه وعلى قارئه كثيرا حين دار هنا وهناك، وكان يسيرا أن يبلغ غايته دون ذلك الجهد الذي أذكرني بيتا ساخرا كنت ظننت أنني أنسيته:
وإني وإني ثم إني وإنني
إذا انقطعت نعلي جعلت لها شسعا