الوطن العميق

شهدت المملكة العربية السعودية الأسبوع المنصرم تزامن (الحزن والفرح)، فقد حزن الوطن والمواطن بل أكثر من ذلك وأكبر على فقد الملك الإنسان عبدالله بن عبدالعزيز، رحمه الله رحمة واسعة وجزاه عن أهله ومحبيه خير الجزاء، وفي اللحظة نفسها ابتهج الوطن ببيعة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، الذي بدأ الخطوة الأولى بتعيين ولي عهده الأمير مقرن بن عبدالعزيز، وتعيين ولي ولي عهده الأمير محمد بن نايف. وهو ما بعث برسالة وطنية مطمئنة للداخل والخارج بأن المملكة العربية السعودية دولة عميقة بكل ما يحمله هذا المصطلح من معنى. وهو الأمر الذي تراهن عليه الدولة ويجب أن يعيه جيدا كل إنسان في هذه البلاد من مواطنين ومقيمين.
فالسعودية الوطن العميق يجمع الأبعاد الحقيقية للعمق، وهي أبعاد تصدع أمامها الإرهاب والعنف والتطرف مهما كانت مسمياته وأساليبه والقوى الداعمة له أو المتعاطفة معه. كما تصدع أمام هذا العمق كل المزايدات وكل الخرافات. لتبقى الدولة العميقة بمفهومها الكبير هي المكون الحقيقي للمملكة العربية السعودية، فهذا الوطن له هويته الأزلية والأبدية التي لا تتوفر لأي بلد في العالم، فهو على امتداد الزمن قبلة المصلين ومهوى أفئدة المؤمنين والمحبين والعاشقين لقدسية المكان في بقاع المسجد الحرام والكعبة المشرفة، ومسجد النبي محمد صلى الله عليه وسلم وقبره الشريف. ومباركة ممشاه في مكة والمدينة وبدر وخيبر وكل شبر تحركت عليه قدمه الشريفة، أو مكان أشار إليه أو ذكره ـ بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم ـ هذه الهوية الإسلامية المحمدية هي عمق الهوية الوطنية السعودية الذي تؤكده قوة الدستور ـ النظام الأساسي للحكم ـ والقوانين والنظم والتنظيمات المشرعة لحركة الإدارة في هذا الوطن، كما تؤكد عليه المشروعات العملاقة لبناء وتوسعة وتطوير الحرمين الشريفين التي بدأت مع بواكير الدولة ولم تتوقف يوما ما، ومن أعظمها مشروع التطوير الأكبر الذي أنجزته إرادة عبدالله بن عبدالعزيز رحمه الله.
وإذا كانت الهوية الدينية بهذه المكانة فإن هناك بعدا آخر لها وهو العربية كلغة وتاريخ وإرث ثقافي ممتد ومتحول ومتطور. وهو أيضا ما أكده الدستور ـ النظام الأساسي للحكم ـ وما تؤكده عمليا الجامعات التي رافقت تأسيس الدولة والتي تمثلت في كليات خاصة باللغة العربية وعلومها. هذه الهوية الوطنية للدولة العميقة بوصلة تشير دائما إلى الاتجاه الصحيح، ولذا فإن إعلانها ووضوحها وشفافيتها للمواطن ولكل الإنسانية هي ما يعكس قوة الفهم لكينونة المملكة العربية السعودية وعليها تبنى رؤيتها، وعليها تفسر قراراتها والاستراتيجية طويلة المدى التي تنتهجها. وهي أيضا ما يكشف عنه عمق المؤسسات الدينية والتعليمية والعسكرية، التي ترعى وتطور وتحمي هذا الكيان وترسخ مفاهيم المواطنة التي تجعل الانتماء والولاء لمحض الوطن الذي يمثل خطا أحمر تنتهي أمامه كل الخلافات لينعقد الإجماع أن الوطن أكبر وأهم وأغلى وأبقى.
بكل ما تقدم فإن المملكة العربية السعودية وطن لا يستحق إلا الأمن والاستقرار والسلام، وإن التنمية فيه لا تكون مع الاضطراب والإرهاب، فأمنه واستقراره وسكونه وجماله وخيراته وبركاته كلها تحدث انعكاسها على العالم كله من حيث البعد الديني للحجاج والمعتمرين والزائرين، وكذلك في البعد الاقتصادي العالمي. ومن هنا كان واجب الدولة العميق أن تحافظ على هذا التميز وتقدم من أجله كل شيء، ماليا، وثقافيا وتعليميا، وأمنيا وقضائيا. كما أن هذا الأمر ـ ولله الحمد ـ هو ثقافة راسخة عن مواطني المملكة، وحين يوجد من يخالفه ممن اختاروا قناعات أخرى فإن الدعوة موجهة لإعادة القراءة الصحيحة للمواطنة وأبعادها، فالوطن للجميع بأمنه وتنميته وسلامته واستقراره. حفظ الله الوطن وأهله وقادته، وجعلنا من الخير في زيادة. وكفى من الشر ووقى.