أسرار رجل حزب الله في مصر
الاثنين، ١٩ مايو ٢٠١٤
يقدم مدير برنامج ستاين لمكافحة الإرهاب والاستخبارات في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدني، ماثيو ليفيت، رواية شبه متكاملة عن نشاط حزب الله وخلاياه وطريقة تجنيده لعناصره ليس في لبنان فحسب، بل في كل أنحاء العالم بشكل عام والشرق الأوسط بشكل خاص.
ويبدأ ليفيت في تقرير شامل صدر أخيرا بواشنطن تحت عنوان “نظرات على الإرهاب” سرد التفاصيل من إعلان السلطات المصرية في نوفمبر عام 2008 أن خلية من “حزب الله” خططت لهجمات إرهابية في مصر.
ورغم المبالغة في بعض التهم، فقد ثبت أنه ليس كل من ألقي القبض عليهم كانوا ينتمون إلى “حزب”.
ويبدو أن الدراسة المتأنية تكشف أن الخلية كانت في الحقيقة تعمل داخل الأراضي المصرية، وكلفت أساسا بنتفيذ عدد من الهجمات الإرهابية، وأنها لم تكن مراقبة بأي شكل من الأشكال، مما يجعل هذه القضية أكثر إثارة للاهتمام، ولا سيما إذا قارناها بالخلايا الإرهابية الأخرى التي تم القبض عليها.
إفشاء الأسرار
يقول ليفيت: في ديسمبر 2013 قدم النائب العام في مصر أدلة اتهامات جديدة ضد الرئيس المعزول محمد مرسي وغيره من أعضاء جماعة الإخوان المسلمين، بما في ذلك إفشاء أسرار عسكرية لدولة أجنبية، والتآمر مع “حماس” و”حزب الله” لتنفيذ هجمات إرهابية في مصر.
الاتهام الأساسي يشمل “حماس” و”حزب الله”، ويدعي بشكل خاص أن اثنين من الجماعات المتطرفة ساعدا الآلاف من السجناء للهروب من السجون المصرية وإحداث نوع من الفوضى، في الأيام الأولى من ثورة 25 يناير التي أطاحت بنظام الرئيس السابق حسني مبارك، مشيراً إلى أن شبكة حزب الله تعمل في مصر منذ عام 2005 حتى أواخر عام 2008، وبنفس الطريقة التي تعمل بها في بلدان الشرق الأوسط وفي أماكن أخرى خارج حدود لبنان.
وبينما الهدف المعلن لحزب الله كمنظمة لبنانية هو “المقاومة” فقط، فإن لديه سجلاً حافلاً من العمليات الإرهابية خارج لبنان، وفي مناطق ومواقع بعيدة عن الشرق الأوسط مثل الأرجنتين، حيث وقعت عام 1994 عملية تفجير في مركز للجالية اليهودية في بيونس أيرس، مما أسفر عن مقتل 85 شخصا وإصابة نحو 150 آخرين، وكذلك في تايلاند، حيث أجهض في بانكوك خلال العام نفسه، محاولة لتفجير السفارة الإسرائيلية.
دعم واسع
أما على المستوى الأقرب، فقد أقام “حزب الله” علاقات متميزة وخاصة جدا مع الجماعات الفلسطينية المسلحة ضد الاحتلال الصهيوني، وأصبح حزب الله يحظى بدعم على نطاق واسع في معظم أنحاء العالم العربي.
وشجعت إيران “حزب الله” على هذه الاتصالات والعلاقات الوثيقة مع المنظمات الفلسطينية، وذلك من خلال “الحرس الثوري”، ولا سيما فيلق “القدس” (جناح النخبة).
ومارست إيران نفوذها وسيطرتها الكاملة على “حزب الله” منذ أوائل الثمانينات من القرن العشرين.
ومعروف أن الحرس الثوري الإيراني هو المسؤول عن الإشراف على جميع الأنشطة القمعية في داخل إيران، فضلا عن أذرعها في الخارج مثل حزب الله وغيره.
شهاب البيروتي
في عام 2005 سافر إلى مصر المدعو محمد يوسف منصور، وهو عضو في حزب الله، بوثيقة سفر لبنانية مزورة تحمل اسم “سامي هاني شهاب” كنوع من التمويه.
وفي الواقع فإن اسم “شهاب” لعائلة سنية في بيروت، أما الاسم الأول “سامي” فهو اسم حقيقي لطفل توفي وفاة مأساوية وهو رضيع.
ومن هنا فإن “منصور” رجل حزب الله المسؤول الأول عن “ملف مصر”، وهذا الملف بدوره هو جزء من ملف أكبر يشمل دول الطوق المحيطة بإسرائيل والمتاخمة جغرافيا لها: مصر والأردن وسوريا.
والجميع كانوا يعتقدون أنه ينضم إلى جماعة متشددة وليس خلية تابعة لإيران.
واسم “شهاب” كان جواز المرور إلى الأعضاء الجدد بمن في ذلك ناصر جبريل الفلسطيني الذي كان عضوا في جماعة الإخوان المسلمين قبل الانضمام لخلية حزب الله في مصر دعما للفلسطينيين، حيث كلف بشراء 25 قطعة سلاح للخلية.
وقد انضم عدد من جماعة الإخوان المسلمين إلى حزب الله اللبناني دعما لحماس وغيرها من المنظمات الفلسطينية، وهذا هو السبب الذي جعل الرئيس مبارك – وفقا للتقارير الاستخباراتية المصرية – يؤكد وجود اتصالات وعمليات إرهابية مشتركة بينهما.
دور قبلان
في مصر نشط حزب الله جدا، عن طريق انضمام محمد قبلان، وهو من أكبر نشطاء الحزب، إلى منصور.
ومن هنا بدأت شبكة الحزب تتعمق وتتوسع في مصر.
وكان قبلان من الأعضاء البارزين في “الوحدة 1800”، وكان على علم ودراية واسعة بمصر وجغرافيتها.
ومن ثم بدأ التركيز أولاً على تهريب الأسلحة والأموال عبر مصر إلى حماس والجماعات الأخرى في غزة، كما ساعد حزب الله فرع مصر على تدريب المقاتلين الفلسطينيين وتسهيل الهجمات التي تستهدف إسرائيل.
وفي أعقاب اغتيال عماد مغنية في فبراير 2008، تعهد الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله بالانتقام من إسرائيل واستهداف الإسرائيليين في كل مكان، في الوقت الذي كان حزب الله في مصر يضم إليه عشرات النشطاء وعدد غير قليل من عناصر الحزب في لبنان ومافيا التهريب والعناصر الذين نفذوا بعض العمليات الإرهابية بالفعل داخل المنتجعات السياحية في سيناء والبحر الأحمر، وأدت إلى عواقب اقتصادية كبيرة على السياحة المصرية، بما في ذلك تهديد البنية التحتية الحيوية لقناة السويس.
سجن وهروب
ولم تنكسر خلية حزب الله في مصر إلا بعد إلقاء القبض على منصور في نوفمبر 2008 واثنين من الفلسطينيين كانا يحملان جوازات سفر فلسطينية صادرة من لبنان.
وتضم الخلية 49 ناشطا تم القبض بالفعل على 26 منهم: 2 من لبنان، 5 من فلسطين، واحد من السودان، و18 مصريا.
أما الباقون مثل محمد قبلان فقد فروا من البلاد أو هربوا إلى داخل الجبال الوعرة في سيناء عن طريق البدو.
لم يسجن منصور سوى 10 أشهر فقط من العقوبة المفروضة عليه وهي 15 سنة، إذ تم تهريبه مع بقية شبكته من سجن “وادي النطرون” أثناء ثورة يناير عام 2011 ، وفي نفس اليوم ترك الحدود المصرية وظهر بعد أسبوعين في قناة “المنار” ملوحا بعلم حزب الله أمام المشاهدين في العالم.
أسلوب واحد
استهداف السياح الإسرائيليين في مصر تمثل في طابا ونوبيع ودهب والغردقة، وبنفس أسلوب التفجيرات للسيارات المفخخة والتي استخدمت في الأرجنتين وتايلاند.
وهو ما دفع رئيس جهاز الاستخبارات المصرية اللواء الراحل عمر سليمان إلى طلب اجتماع مع رئيس هيئة الأركان الأمريكية المشتركة الأدميرال مايك مولن، وأبلغه أن مصر تأخذ مؤامرة “خلية حزب الله” على محمل الجد، وأنها وجهت تحذيرا شديد اللهجة للسلطات الإيرانية بعدم التدخل في الشؤون المصرية، وأن مصر سترد بالمثل (داخل إيران) إذا لزم الأمر، وأن مصر دربت عملاء لها لإنجاز هذه المهمة داخل إيران بالفعل.
قصة حزب الله في مصر لم تبدأ عام 2005، ففي فبراير عام 1987 اجتمع قادة في الاستخبارات الإيرانية بمتشددين إسلاميين مصريين بغرض إنشاء حزب الله في مصر، حسبما قالت الصحافة المصرية وقتئذ.
وفي 1988 أعلنت الحكومة المصرية عن محاولة إيران إشعال ثورة على غرار الثورة الخمينية في مصر.
ما أدراكما الوحدة 1800
بين عامي 1990 و1995 بدأت تحركات الحرس الثوري الإيراني تنمو في الضفة الغربية وقطاع غزة، عبر تمويل معارضي اتفاقية “أوسلو” مع إسرائيل عام 1993 لتقويض عملية السلام.
ووفقا لتقارير الاستخبارات الأمنية الكندية، أعلنت الشرطة الفلسطينية في فبراير 1999 أنها اكتشفت وثائق تؤكد تحويل 35 مليون دولار لحماس من الاستخبارات الإيرانية، من أجل تمويل عمليات ضد أهداف إسرائيلية.
ومعروف أن “حزب الله” أنشأ الوحدة 1800 وكانت بمثابة البنية التحتية للعمليات في الضفة الغربية، ويتمثل عملها في جمع المعلومات الاستخباراتية والتسلل داخل إسرائيل وتنفيذ الهجمات.
وبدءا من 1995 وضعت مجموعة مختارة من القادة التنفيذيين داخل الجناح العسكري لحزب الله ومنظمة الجهاد الإسلامي، الخطط العملية لاختراق الدفاعات الإسرائيلية، بل ونجحت عناصر من الوحدة 1800 (5 عناصر من حزب الله) في التسلل داخل إسرائيل بين عامي 1996 و2001 وكانوا قادرين على تنفيذ الهجمات المرسومة.
وفي سبتمبر 2000 مع اندلاع الانتفاضة الفلسطينية، أوفدت إيران عماد مغنية العقل المدبر لحزب الله، لتعزيز قدرة العمليات للجماعات الفلسطينية المسلحة، وتحديدا “حماس” و”الجهاد الإسلامي” في فلسطين، مع تقديم الدعم السري للعملاء في شبكات حزب الله في أوروبا، التي كانت تمثل نقطة الانطلاق للتسلل داخل إسرائيل.
من أهداف الوحدة 1800 خطف إسرائيليين وتجنيد عرب إسرائيل، وهو ما تم بالفعل في عام 2000، وعلى سبيل المثال تم اختطاف عقيد متقاعد من الجيش الإسرائيلي يدعى الحنان تننباوم.
وهنا ظهرت بوضوح الطفرة الاستراتيجية التي أحدثها تغلغل حزب الله، وهو ما مكن في نهاية المطاف من الإفراج عن 400 معتقل من السجون الإسرائيلية.
وأخيرا دعم حزب الله الجماعات الفلسطينية المختلفة في شبه جزيرة سيناء لتنفيذ عمليات التهريب عبر الحدود مع غزة ومن تحت الأنفاق العديدة، فضلا عن التخطيط والتمويل والإمداد لمختلف الجرائم والمؤامرات ضد مصر.
لارسن: أنشطته غير قانونية
معظم الاتهامات المصرية لخلية حزب الله في مصر – كما يقول ماثيو – سواء التخطيط لارتكاب عمليات إرهابية داخل مصر والتجسس لصالح دولة أجنبية، نفاه أعضاء الخلية المقبوض عليهم في اعترافاتهم: هدفنا هو استهداف المصالح الإسرائيلية وأيضا الأمريكية في مصر، وليست المصالح المصرية.
وهو نفس ما صرح به نصرالله لوسائل الإعلام إذ قال: هدفنا المساعدة اللوجستية للفلسطينيين وحصولهم على معدات عسكرية لمقاومة إسرائيل وليس الإضرار بالتراب المصري مطلقا.
من جانبه أكد المنسق الخاص للأمم المتحدة في الأراضي المحتلة تيري رود لارسن في مجلس الأمن، بعد القبض على خلية حزب الله في مصر “تورط حزب الله في أنشطة سرية مسلحة وغير قانونية تتجاوز الأراضي اللبنانية”.
وقال إن حزب الله يتصرف ليس لصالح لبنان وإنما لصالح إيران، لذا يجب وقف أنشطته المسلحة في الخارج وتحويله إلى حزب سياسي في داخل لبنان.
ومعروف أن خلية حزب الله نقلت أسلحة وعددا من المقاتلين الأجانب من السودان إلى غزة عبر سيناء، فقد قام بشراء عدة شقق سكنية في مدينة العريش ورفح المصرية الحدودية المتاخمة لرفح الفلسطينية وغزة.
كما تم نقل المقاتلين إلى داخل لبنان وسوريا لتلقي التدريبات العسكرية وإعداد المتفجرات والأحزمة الناسفة والقنابل اليدوية، وبالفعل تسلل البعض منهم إلى داخل إسرائيل وتم القبض عليهم من قبل الشرطة الإسرائيلية قبل أن يتمكنوا من تنفيذ عملياتهم في سبتمبر 2008.
3 دلالات على نوايا حزب الله وإيران
ما دلالة دور حزب الله في تحرير شبكته وغيرها من داخل السجون المصرية وبمساعدة البدو وأعضاء من جنسيات مختلفة، هل هذا يدخل في الدعم اللوجستي للفلسطينيين أم يتجاوز ذلك بكثير على أرض الواقع داخل حدود دولة أخرى ذات سيادة؟ ويجيب ليفيت منتهيا باستنتاجات مهمة:
1- ما هي العلاقة بين سيناء وساحل العاج في أفريقيا إلى شرق آسيا وتايلاند والأرجنتين بالدعم اللوجستي للفلسطينيين؟
2- عمليات حزب الله الإرهابية تعود إلى 1983 و1985، وهي سلسلة من 7 تفجيرات في ساعتين، واستهداف اغتيال شخصية خليجية رفيعة.
واستمر الحزب في عملياته الإجرامية طيلة التسعينات من القرن العشرين، ففي 1996 استطاع تفجير ثكنات القوات الجوية الأمريكية في الخبر.
وفي أوائل الألفية الثالثة دعم “الوحدة 3800” في العراق في 2003.
أما دوره في سوريا فهو خطير للغاية، حيث يستثمر كل خلاياه في منطقة الطوق لدعم نظام بشار الأسد..وما علاقة كل ذلك بالأكاذيب حول دعم الفلسطينيين؟ إن المشاركة في الحرب الأهلية في سوريا وإشعال نار الطائفية تنقض كل مزاعم قادة حزب الله وإيران أمام العالم.
3- منذ الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان في عام 2000، ثم مرة أخرى بعد حرب 2006، واستيلاء حزب الله على وسط بيروت في 2008، لا يزال الحزب الذي ينتمي إلى إيران يبرر وجوده أمام العالم بأنه حركة مقاومة.
وكي يجد مشروعية لاستمراره أجج الحرب الأهلية في سوريا ولا يريد أن تهدأ أبدا.
فقد خرج “حزب الله” بالفعل عن سيطرة الحكومة اللبنانية، وهو يقاتل إلى جانب الأسد وإيران ضد الثوار السوريين: فأين هي مقاومته للاحتلال الإسرائيلي في فلسطين؟ والجولان؟إن التركيز على “الوحدة 1800” أو خلية حزب الله في مصر، يجب أن يكون مدخلا لفهم أعمق وأوسع وأشمل لأهداف وطموحات وأدوار حزب الله في العالم وليس في الشرق الأوسط فقط.