أفقر رئيس في العالم!
الاثنين، ١٩ مايو ٢٠١٤
رفض أن ينتقل إلى القصر الرئاسي الفخم، واختار أن يعيش كما تعيش غالبية شعبه. فمنذ أن انتخب “خوسيه موخيكا” رئيساً للأوروغواي قرر أن يقطن في بيته الأساسي وهو بيت ريفي، مع زوجته لوسيا توبولانسكي على طريق ترابي غير ممهد بالاسفلت كما هي بعض أحياء الأوروغواي. نمط حياة الرئيس اللاتيني “خوسيه موخيكا” جذب انتباه العالم منذ توليه رئاسة بلاده في 2010.
ما جعلني أكتب عن هذا الرئيس الفريد، هو ما ذكره في الأسبوع الماضي في مقابلته له مع قناة CNN الأمريكية، عندما سألته المحاورة عما إذا كان هذا التقشف سببه الأربعة عشر عاما التي قضاها في السجن، رد خوسيه قائلاً “سنواتي في السجن كانت بمثابة ورشة عملٍ صقلت طريقة تفكيري وقيمي، أنا لست فقيراً، فالفقراء هم الناس الذين يحتاجون الكثير، أما أنا فشخص متقشف لا أحتاج الكثير لأعيش.. أعيش بنفس الطريقة التي أعيشها قبل أن أصبح رئيساً، في نفس الحي، في نفس المنزل وبنفس الطريقة، أنا أعيش بنفس الأسلوب الذي تتبعه الأغلبية في البلاد”، ويضيف الرئيس العادل قائلاً “الأغلبية صوتت لي وأنا أنتمي إليهم، ولا يحق لي أن أعيش مثل الأقليات، الكثير من الناس يحبون المال، لكن لا يجب أن يكون مثل هؤلاء في السياسية، لست أرتجل هنا أو بصدد تسويق نفسي، لكن هذه فلسفتي”.
لقد استحضر الرئيس خوسيه كل قيم العدل والمساواة، وفعّل المعنى الحقيقي لمفهوم الخيرية في داخله، وهي صفة لمن يشعر بآلام الآخرين، ويرغب في تحقيق سعادتهم، أو في دفع الأذى عنهم، من خلال دعم المبادرات التي تستهدف تحسين نوعية الحياة والتغلب على مشكلاتها.
وعن القيادة، يضيف الرئيس خوسيه: “إن أهم أمر في القيادة المثالية هو أن تبادر بالقيام بالفعل حتى يسهل على الآخرين تطبيقه”. كلام يعنيه ويؤمن به الرئيس، فهو يتقاضى راتباً شهريا قدره 12 ألفا و500 دولار، ولكنه يحتفظ لنفسه بمبلغ 1250 دولارا فقط، ويتبرع بالباقي للجمعيات الخيرية، فهو يرى أن المبلغ المتبقي يكفيه ليعيش حياة كريمة هو وزوجته، بل هو زيادة عن حاجته “خاصة أن العديد من أفراد شعبه يعيشون بأقل من ذلك بكثير” كما يذكر ذلك السيد خوسيه. من المعروف أن دولة الأوروغواي كانت من أكثر دول أمريكا اللاتينية التي تعج بالفساد قبل قدوم الرئيس خوسية، لكن بعد قدومه انحسر الفساد حتى أصبحت الأوروغواي في المرتبة الثانية في قائمة الدول الأقل فساداً في أمريكا اللاتينية، وهذا ما ذكره مؤشر منظمة الشفافية العالمية في تقريره الأخير.
لقد نقل الرئيس خوسيه مفهوم مقصد “الخيرية” التي في داخله من حيز الأفكار إلى حيز المؤسسات والمشاريع، أو من حيز النظرية إلى حيز الفعل والتطبيق، وبالتأكيد بدون تنفيذ الحيز الثاني ومتابعة انتقال المقصد إلى التطبيق لا قيمة له، وسيكون قطعة محفوظات لا تغني ولا تسمن من جوع. ما أريد قوله هنا، هو أن الكثير من المسؤولين يتحدثون دائماً عن مقاصدهم الطيبة، لكن دون تنفيذ لهذه المقاصد، وهنا نضع تجربة الرئيس “خوسيه” أمامهم لتكون مثالاً يحتذى به، أتمنى أن أرى مسؤولاً واحداً لدينا يقدم مبادراتٍ خيرية بالتنازل عن بعض المميزات المالية التي يحصل عليها لصالح جمعيات خيرية، كما فعل السيد خوسيه، خصوصاً أن غالبية مسؤولينا هم في حقيقة الأمر “رجال أعمال” قبل تقليدهم مناصب تنفيذية.
alfarhan.i@makkahnp.com