المقالة التقززية في هجاء الحضارة الغربية!

«لن تسمح أمريكا بأن تمتلك إيران القدرة النووية..»
«وجودنا العسكري في الخليج ضرورة استراتيجية لحمايته من تهديد إيران النووية»
تصريحان متتاليان لتشاك هاغل وزير الدفاع الأمريكي خلال جولته الأخيرة بالمنطقة.
تلك الحضارة الغربية التي تعلم سكان الكوكب أن الحرية تنحصر في قدرتهم كزبائن ومستهلكين مدى الحياة على المفاضلة بين البيبسي كولا والكوكاكولا، بين شطائر الماكدونالد ودجاج كنتاكي، بين فيلم مرعب وآخر رومانسي أنتجتهما هوليود، بين ديموقراطية أمريكا حيث لا فرق بين الحزب الديموقراطي والحزب الجمهوري وديموقراطية بريطانيا حيث لا فرق بين حزب العمال وحزب المحافظين..
تلك الحضارة الغربية التي تقصف عقول سبعة مليارات إنسان على ظهر الكوكب بحديث متلفز لا ينقطع عن حقوق الإنسان، وعن كرامته، وضرورة صيانة حياته، ثم تسمح لشركات الدواء الكبرى أن تدير أبحاثها المتقدمة بحيث تهمل أمراض العالم الثالث، وتجعل من العثور على علاجات لأمراض الكلاب والقطط الأليفة في حدائق بيوت أمريكا وأوروبا واليابان أولوية مطلقة، بينما أمراض الفقراء مثل الملاريا والالتهاب الكبدي وكورونا..في آخر قوائم الأولويات، وحتى لو ابتكروا لها علاجا، فإنهم يسعرونه تسعيرا جشعا، يجعل الموت أقرب منالا من الدواء بالنسبة للفقراء..
تلك الحضارة الغربية التي ما تنفك تحاضرنا ليل نهار -وكأننا تلاميذها البلداء الأغبياء- عن السلام والرحمة والشفقة والتعايش والحوار وحل المشاكل بين البلاد والجماعات والأعراق بالتفاوض، هي نفسها التي تكرس نصف ميزانيات البحوث والتطوير فيها لصناعة الأسلحة بكل أنواعها، وتجعل منا نحن زبائنها المفضلين، وتحرش بين الدول وكأنها كلاب، كي ينشب الصراع، وتتعاظم الحاجة للدبابات الأمريكية، والطائرات الفرنسية، والدفاع الجوي الألماني، والبنادق الروسية، وأنظمة الغواصات اليابانية.. فتمتلئ خزائن الخواجات بمالنا نحن، الذي يمولون به رفاهيتهم، وتقدمهم، وفي النهاية يعيبون علينا تخلفنا وبدائيتنا وكوننا نندفع للتحارب والتقاتل وكأننا حيوانات الغابة..
تلك الحضارة الغربية التي أدخلت العالم كله طرفا في حروبها هي، وصراعاتها هي، فكادت أن تحرق الكوكب بحربين عظميين شوهتا القرن العشرين، بينما الأمر في الحالتين ليس أكثر من سعي جشع من قبل المستعمرين الغربيين للفوز بالقطعة الكبرى من كعكة المستعمرات ومواردها ومقدراتها، وحوش غربية تتقاسم العالم كفريسة، ونحن الفقراء نصلح في عرفهم حطبا لنار الحرب، وغنيمة للمنتصر..
تلك الحضارة الغربية التي أدخلت العالم طرفا في حرب باردة بين نظامين اقتصاديين وسياسيين غربيين، هما الشيوعية والرأسمالية، وهددت بمحرقة نووية كبرى تفني الحياة على الأرض، والسبب أن خواجات الغرب مختلفون فيما يتعلق بالأيديولوجيا، ولهذا السبب وحده كان ينبغي علينا جميعا أن نموت..
تلك الحضارة الغربية التي أنتجت عمدا كائنا مشوها مصطنعا اسمه التشدد الإسلامي، ليكون سلاحا في الفصل الأخير من الصراع بين جناحي تلك الحضارة الغربية، حلف وارسو وحلف الناتو، وأطلقت هذا (الفرانكنشتاين) في أفغانستان، ليقهر الروس، ثم يستدير ليتحول إلى موجة عاتية من الإرهاب الشامل، ليكتوي العالم كله بناره، وما كان أسهل أن تتنصل الحضارة الغربية من مسؤوليتها عن صنع الوحش الإرهابي الممسوخ، وأن تتهم وسائل إعلام الغرب الزاعقة السعودية ومصر والعراق وباكستان..بأنها دول متخلفة تنتج الإرهاب، ولا بد من تحويلها إلى ديموقراطيات عن طريق تدميرها أولا، ثم تركها أطلالا تصلح كأساس لبناء الشرق الأوسط الكبير..
تلك الحضارة الغربية التي تضغط على التنين الصيني الذي يهددها بنموه الاقتصادي الهائل وبثباته السياسي ورسوخه الاجتماعي وبطرحه نسقا حضاريا إنسانيا منافسا، تلك الحضارة الغربية تطالب بالحرية لشعب إقليم التبت الصيني، الذي لا يطالب هو نفسه بالاستقلال عن الصين، بل بقدر أوسع من الحكم الذاتي..يفعل الغرب ذلك بينما يغض طرفه عن تنكيل إسرائيل بشعب فلسطين الذي احتلت أرضه وسرقت بيوته وشردته في المنافي منذ أكثر من ستين عاما، برعاية الغرب وترتيبه، للخلاص من عقدة ذنب فادحة سببها قيام الغرب نفسه بالتنكيل باليهود وقتلهم قتلا جماعيا، وكان على العرب الأبرياء أن يدفعوا الثمن..
تلك الحضارة الغربية التي انسد أمامها أفق الضمير انسدادا عظيما..
تلك الحضارة تثير تقززي!

mohammed.a@makkahnp.com