من أنا؟

يقضي أكثر الناس جل أعمارهم أو كلها وهم لا يعرفون ذواتهم على الحقيقة، وقد تجد أن بعض هؤلاء يجهلها جهلا بسيطا كما يقال أي ليس له جواب عن السؤال المتعلق بتركيبته النفسية وقدراته ومواهبه ونقاط ضعفه وقوته، وقد تجد أن بعضهم وربما كانوا هم الأكثر من هؤلاء لديهم جهل مركب بذواتهم، ولذلك فهؤلاء يعيشون في غير موقعهم الطبيعي ويصلون غالبا إلى غير النتائج المنتظرة بل غالب نتائجهم التي يصلون إليها إنما هي عثرات وسقطات وصدمات لأنهم وبكل بساطة لم ينطلقوا من واقعهم الحقيقي وإنما توهموا أمورا فيهم وبنوا عليها قراراتهم وأفعالهم واستنفذوا فيها أعمارهم من غير طائل، ولذلك فمرحلة البحث عن الذات واكتشافها من ضرورات النجاح في جميع الميادين الحياتية، وفكرة وصول الإنسان للجواب المثالي عن هذا السؤال المشكل يجب أن تبقى على الدوام حاضرة لديه ومقلقة له، ولا بد له إن كان منصفا صادقا أن يعلم أن أحكامه على نفسه ليست صائبة دائما وأنه قد يحتاج إلى تقنيات وآليات تقف به على حقيقة أمره، كما أنه بحاجة إلى آراء المعاشرين له زمنا طويلا وفي ظروف مختلفة ليكشفوا له عن جوانب جهلها من حاله أو تغافل عنها أو كابر في نفيها حتى على نفسه، والآليات التي أشرنا إليها هنا متنوعة وقد يكون من أشهرها بعض الاستبيانات والمقاييس الموجهة والتي تكشف جوانب محددة من شخصية من يقوم بها فتعطي مؤشرات على جوانب التميز وجوانب الإخفاق وربما تنصح له هذه المقاييس بوظائف معينة وأعمال مناسبة له دون غيرها، وإن كان هذا النوع من الآليات لا يصل في العادة إلى دقائق الصفات النفسية وإنما يتجه إلى الميول الذهنية والقدرات المتوفرة لدى الشخص، وتأتي الوسيلة الثانية لتعطي الإنسان أبعادا أكثر دقة بشرط أن تكون المشورة فيها قد صدرت من عاقل ناصح لا يرغب في مصلحة ولا يخشى من غضب، ومن الأفضل فيها دائما أن لا تكون محصورة في شخص أو شخصين وإنما تكون صادرة عن مجموعة يدل توافقها على بعض الأمور على صحة هذه الأمور فعلا، وخلال ذلك وقبله وبعده ستكون أهم الوسائل على الإطلاق في اكتشاف الإنسان لنفسه هو نفسه ذاتها حين تتجلى وتصدق وتتعالى على نوازع العجب وتتجرد من أوهام المادحين أو القادحين وتحسن المراجعة والمران النفسي العميق في فترات متقاربة وتبحث عن عيوبها بعين ناقدة صادقة، ويكون أمرها كما قال تعالى (بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره).

jameel.a@makkahnp.com