اللاأمن القومي الأمريكي وتحديات السياسة الخارجية

بعد الأحداث الدامية التي هزت أمريكا والعالم في 11 سبتمبر 2001، بدأت الإدارة الأمريكية والشعب بشكل عام يشعرون أنهم عرضة للخطر بطريقة غير مسبوقة في تاريخ هذه القوة العظمى. وفي هذا الإطار المليء بالتحديات التي أفرزتها الحرب في أفغانستان والعراق، ومشاكل الأزمة المالية الخانقة التي ضربت أمريكا وأثرت على الأسواق العالمية، وبسبب فشل إدارتها وبروز الصين كقوة اقتصادية عظمى وانتشار الحرب الالكترونية على نطاق واسع، وجد رئيسان أمريكيان يحملان رؤيتين مختلفتين إلى حد كبير، بالإضافة إلى مستشاريهما ومساعديهما، نفسيهما في مواجهة صراع مرير للتأقلم مع مجموعة من المخاطر والتهديدات.
قد يعتقد الكثيرون أننا نعرف الحكاية بتفاصيلها وأبعادها المختلفة، لكن كتاب «اللاأمن القومي» يقدم رؤية مختلفة وجديدة تماما للصراعات الخفية، والانتصارات المفاجئة، والإحباطات المروعة والصادمة لأولئك الذين تولوا القيادة الأمريكية في واحدة من أكثر الفترات صعوبة في تاريخها. وبفضل قدرته المميزة في الحصول على المعلومات، يقدم الكاتب دافيد روثكوبف رؤى جديدة تستند إلى أكثر من مئة مقابلة حصرية مع لاعبين أساسيين كان لهم دور فعال في صياغة وتشكيل أحداث هذه الفترة.
جوهر هذا الكتاب يروي قصة أمريكا كقوة عظمى تواجه أزمة حقيقية، وهي تسعى للتأقلم مع العالم الذي يتغير بسرعة فائقة، وتظهر أحيانا مرونة مدهشة وملهمة، لكن تلك الجهود غالبا ما تفشل في تحقيق نتائج جيدة بسبب أخطاء الأشخاص الذين يجلسون في قمة الهرم، وسوء الإدارة في النظام نفسه، وإغراء تركيز الكثير من القوة والسلطة في أيدي عدد قليل من المسؤولين في البيت الأبيض، وعدم الاستعداد لتعلم دروس مفيدة من الماضي الحديث. ومع ذلك، داخل تلك القصة إشارات واضحة عما يتوجب عمله في المستقبل من أجل استعادة دور أمريكا القيادي في العالم.
حيادية الكاتب
هناك الكثير من الكتب التي تتحدث عن الرد الأمريكي على الهجمات الإرهابية التي تعرضت لها أمريكا في 11 سبتمبر، لكن قليلا منها يعكس رؤى عميقة وتحليلات مثل «اللاأمن القومي» بالاستفادة من النظرة إلى الخلف ودراسة الأحداث بعد وقوعها. يسلط الكاتب الضوء على الفترات الرئاسية لكل من الرئيسين جورج بوش الابن وباراك أوباما، في محاولة لفهم كيف سعى كل رئيس منهما والإدارة التي معه للفهم والتأقلم مع الأحداث المصيرية والمثيرة لـ2001. الكاتب روثكوبف يحاول قدر الإمكان أن يكون عادلا ومراقبا محايدا، ويتمكن من العثور على جوانب تثير الإعجاب، بالإضافة إلى جوانب أخرى يوجه إليها انتقادات حادة في كل من الرئيسين الأمريكيين، لكنه في جميع الأحوال يظهر تفهما واحتراما للصعوبات التي واجهها كل من الرئيسين بوش وأوباما، وتعقيد الخيارات التي كان عليهما أن يتخذا قرارا بناء عليها.
الناحية السياسية
ينظر هذا الكتاب إلى الأمور من الوسط السياسي. رجال الدولة المفضلون عند روثكوبف يعكسون التقاليد الدولية للحزبين الديمقراطي والجمهوري في السياسة الخارجية، الذين كانوا في الإدارة الأمريكية لآخر مرة في عهد الرئيس جورج بوش الأب. والكاتب لا يظهر تعاطفا مع السياسة الخارجية التي اتبعها الرئيس جورج بوش الابن في الفترة التي تلت هجمات 11 سبتمبر وصولا إلى عام 2004، لكنه يظهر اعتقادا راسخا بأن بوش الابن تطور كثيرا وتحسن أداؤه خلال الفترة التي قضاها في البيت الأبيض، لكن من ناحية أخرى يبدو مقتنعا أن الفترة الرئاسية الثانية للرئيس باراك أوباما لا تسير بنفس جودة الفترة الرئاسية الأولى.
الكاتب روثكوبف من الأشخاص الذين يعتقدون أنه بدون وجود عملية سياسية داخلية ينظمها مستشار للأمن القومي يؤدي عمله بشكل فعال، فإنه من الصعب على الرؤساء تحقيق سياسة خارجية ناجحة بشكل ثابت. بالنسبة إليه، مستشار الأمن القومي الجيد هو وسيط جيد يهتم بنشر وتشجيع عملية سليمة وصحيحة تسمح أن يتم التعبير عن وجهات النظر من عدة وزارات في الحكومة بدلا من فرض وجهة نظر مستشار الأمن القومي الخاصة حول مُخرجات السياسة. بعض أهم أجزاء الكتاب تأتي عندما يشرح الكاتب بالتفصيل مساوئ العملية التي بين الوكالات والتي كان يديرها مجلس الأمن القومي خلال عهدي الرئيسين جورج بوش وباراك أوباما.
كتب السياسة الخارجية الوسطية التي تعنى بالعملية السياسية تكون عادة مملة وتافهة، وهي غالبا تقدم توصيات سطحية غير قابلة للتطبيق في مجال السياسة، لكن كتاب «اللاأمن القومي» ليس كذلك على الإطلاق. روثكوبف يفاجئ القراء بشكل مستمر بوجهات نظر حادة وأفكار غير متوقعة. دونالد رامسفيلد ونائب الرئيس الأمريكي جورج بايدن، على سبيل المثال، ليسا مترابطين على الأرجح، لكن الكاتب يقول إن حدسهما بخصوص السياسة الخارجية متشابهان من بعض النواحي إلى حد كبير. كلا الرجلين يفضل استراتيجية «الدخول والخروج» عندما تكون هناك ضرورة لاستخدام القوة العسكرية، ورفض نائب الرئيس بايدن لفكرة استمرار وجود القوات الأمريكية لفترة غير محددة في أفغانستان يماثل رفض رامسفيلد فكرة تبني عملية بناء الدولة في العراق في فترة ما بعد صدام حسين. كلاهما لا يحب العمليات التي تستمر فترات طويلة.
إحباطات السياسة الأمريكية
يعتقد روثكوبف أن السياسة الخارجية الأمريكية لم تكن ناجحة على الإطلاق منذ هجمات 11 سبتمبر، وهي وجهة نظر يشترك معه فيها الكثيرون من المحللين والمراقبين. والشعب الأمريكي بشكل عام يعتقد أن الرئيسين الأمريكيين بوش وأوباما وكبار المسؤولين عن السياسة الخارجية لم يحققوا أي نجاحات في هذا المجال، وهذا يعكس عدم رضا الرأي العام الأمريكي عن المؤسسات الوطنية التي تعنى بالسياسة الخارجية في عهد هذين الرئيسين. يغوص روثكوبف عميقا تحت إحباطات السياسة الأمريكية التي تحدث عنها الإعلام بشكل واسع في عهدي بوش وأوباما ليسلط الضوء على الوضع المتدهور لمؤسسات السياسة الخارجية.
هناك حزمتان من الإصلاحات الرئيسة على نظام الأمن القومي تم إحداثهما بعد هجمات 11 سبتمبر، وكانتا من صنع مدير الاستخبارات الوطنية ووزارة الأمن الوطني. لم يحقق أي من الحزمتين الإصلاحيتين أي نجاحات تذكر، لكنه يشير إلى مشكلة أخرى: فيما يسعى الرؤساء إلى الحصول على سيطرة أكبر على السياسة الأمريكية، هناك توجه متزايد لتهميش دور الوزارات والإدارات الدائمة مثل وزارتي الدفاع والخارجية. يحاول الرؤساء الأمريكيون عادة تركيز السلطة وصنع السياسة في أيدي أعضاء مجلس الأمن القومي - جميعهم يعملون تحت إدارة أوباما حاليا - وهو مجلس أصغر من أن يمتلك الخبرة العميقة والذاكرة المؤسساتية التي تمتلكها وزارة الخارجية ووزارة الدفاع، لذلك يعتقد الكاتب أنه يجب إعادة مجلس الأمن القومي إلى حجمه الطبيعي، وأن يركز على دوره في تنسيق العمل وإدارة الخلافات بين الإدارات البيروقراطية المختلفة، لكنه يعترف أن مثل هذا العمل لا يناسب شخصيات مثل مستشارة الأمن القومي الحالي سوزان رايس.
في رأي الكاتب، يجب على الرؤساء الأمريكيين أن يمكنوا عملية سلسة بين الوكالات المختلفة، وأن يلتزموا بتلك العملية فيما بعد. وينتقد روثكوبف بقوة إعطاء الكثير من السلطات للمستشارين الذين يستغلون قربهم من الرئيس لتقويض العملية السياسية الرسمية.
يطرح «اللاأمن القومي» بعض النقاط الكبيرة حول عيوب السياسة الخارجية الأمريكية المعاصرة. كلتا إدارتي الرئيسين بوش وأوباما كانت محظوظة بوجود خبراء مميزين ومحترمين في شؤون روسيا في مناصب رفيعة، ومع ذلك ارتكبت سلسلة من الأخطاء الخطيرة في فهم روسيا في عهد فلاديمير بوتين، فأمريكا كرست موارد ضخمة لفهم الحركات الجهادية المتطرفة منذ 11 سبتمبر، ومع ذلك يبدو واضحا أن قدرة هذه الحركات على التكيف والتغير فاجأت إدارة أوباما أكثر من مرة. ومن ناحية أخرى، طورت أساليب وتقنيات قوية للمراقبة لدرجة أنها أزعجت أقرب حلفائها وأقلقت المواطنين حول ضيق هامش حرياتهم وخصوصياتهم. ومن ناحية أخرى، هناك أحداث أخرى، مثل بروز تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، وغزو بوتين لأوكرانيا، يبدو أنها فاتت على صانعي السياسة ولم يستطيعوا التنبؤ بها.

»الموارد الهائلة التي تمتلكها أمريكا تدار بحكمة هزيلة، ولذلك فإنها تقدم نتائج هزيلة، وبضجة كبيرة جدا. وهذا النوع من السياسة هو الأسوأ في تاريخ النظام الأمريكي. والمؤسسات الأمريكية المعاصرة غير ناضحة بما فيه الكفاية للرد بفعالية على التحديات المتعددة للعالم الذي يتغير بسرعة. ونظام السياسة الخارجية الذي طورته خلال الحرب الباردة يتحطم تحت التوترات الناتجة عن نظام دولي أقل استقرارا. ونأمل أن يولي الناخب الأمريكي أهمية أكبر لخبرة المرشح في السياسة الخارجية عندما يختار الرؤساء في المستقبل، وأن تجرى إصلاحات حقيقية واسعة على عملية صنع السياسة الخارجية«.

دافيد روثكوبف


الكاتب: دافيد روثكوبف David Rothkopf
الناشر: بوبليك أفيرز، 2014
دافيد روثكوبف : رئيس مجموعة السياسة الخارجية التي تنشر مجلة »Foreign Policy«، كما يرأس مجموعة جارتن روثكوبف الاستشارية الدولية المتخصصة في التوجهات الدولية المتغيرة، خاصة فيما يتعلق بالطاقة والأمن والأسواق الناشئة. وله عدة مؤلفات سابقة في مجال السياسة الخارجية والاقتصاد.