الصمود أمام الزمن

أكثر ما يجذبك إلى النظر طويلاً إلى وجهها، عيناها... صغيرتان شديدتا اللمعان والذكاء، ولكن أروع ما فيهما هو ذلك الألق الذي ينبع من صبر اكتسبته من مُر الأيام قبل حلوها. سنوات عمرها الذي اقترب من الثمانين.. سنوات أعطتها شرف العيش، شرف الحياة بين كل هؤلاء البشر، ثمانون عاماً طوال وكأن الزمن لا ينتهي بها. الزمن الذي كانت ترجو أن يمر سريعاً حين تُهاجمها الآلام.. أي آلام.. آلام جسد أو قلب وروح.
اسمها راضية. وهي راضية اسماً وقناعةً.. تبتسم لك حين تراك لأول مرة عرفتك أم لم تعرفك. تظنها عندما تراها تبتسم لك أنها تفتح بيديها الصغيرتين اللتين خط عليهما الزمن كلماته في عروقهما النافرة، تظنهما تفتحان نافذة إلى صدرك..إلى روحك لترى معها ما تراه فيك بعمق الثمانين عاماً، وعمق قلب امرأة أخذ منها الزمان أكثر بكثير مما أعطاها ولم تخضع له.. وقفت أمامه وأحياناً (تحته) بابتسامتها التي تقول له متحدية في جهلٍ عالم: أوجدني الله لأحياك شئت أم أبيت، وسأحياك قوية تارات، ضعيفة تارات ولكني سأحياك.
تسلم أمام ابتسامتها التي تشعر بها تتخللك وتجعلك راغباً في (حط الرحال) بين يديها في لحظة وإن لم تكن تعرفها من قبل. تُقبل على عالمها وأنت تجلس على ركبتيك أمامها وكأنك تقول لها: أتعبني الزمان الذي أتعبك فخذيه مني وهاتي أصفى ما بقي منه لأغتسل من وعثائه بين يديك الآن.
ليست أمك، ولكنك تجد ريحها -الأم- في عطر راضية الذي يتسلل من بين ضفائر شعرها الذي تستبدل بياضه بحمرة حنائها.. تجد ريح الأم في ثنايا ثياب راضية التي غسلتها بعرقها وماء نبع قريتها البعيدة.. وتجد الأم في يدها التي تربت على رأسك المثقل ولا تقول لك أكثر مما تقوله ابتسامتها الطيبة الواثقة: لا تقلق ولا تهتم سيأتيك فرج علام الغيوب..اهدأ وطب نفساً فلن يهزمك زمن لم يهزمني من قبلك.
تقول لك كل ما تريد سماعه ويريحك ولكن ليس بكلمات، بل بروح صامدة ثبتتها تجارب السنين.
راضية هي فينا صبر وصمود وحكمة لم يهزمها وقت ولا صروف زمان..
ترحمها حين تراها وأنت تظن أنها مسنة متعبة.. تكبِر فيها شموخها وحكمة قلبها وليس فقط عقلها.
راضية وكل الصامدين أمام الزمن وأمام الوحدة وألم جسد.. تحية إعجاب وتقدير وحب.