تعليمنا (في العهد الجديد): هذه (شهادتي)!
السبت، ١٧ مايو ٢٠١٤
ثمة شعاع من أمل.. يبزغ من بين السهوب البعيدة ليفصح عن واقع تعليمي منتظر، مع تسنم الأمير خالد الفيصل قيادة شؤون ذلك الواقع (الأكثر) أهمية و(حسما) في تقرير مصير المشهد الحضاري للأمم، وإثبات نضجها ورقيها وقدرتها على التفاعل مع ثقافات العالم وحضاراته المتنوعة..
وربما لأن الأمل بالأمل يذكر، فثمة عدة (أمور) يجدر (النظر) إليها، و(مقاربتها) من زوايا أخرى، من أجل تلمس أطياف المخرجات الحقيقية الفاعلة والمنتجة..
ومع إيغال لحظة هذا النثار في (حدث) الفعل التعليمي البارز الآن (الاختبارات النهائية)، فإن مفردات هذه (المقاربة) تتقافز سريعا على بياض الصفحة لتدلي بشهادتها.. كالتالي:
1 - يزخر المشهد التعليمي لدينا بالكثير من اللقاءات والندوات والمؤتمرات (وما ينتج عنها من توصيات وقرارات)، ولكن الواقع يفصح عن (سلبية) هائلة في النتائج المتوخاة من كل ذلك الزخم التنظيري، فهي لم تساعد أبناءنا على الارتقاء بمستوياتهم الدراسية والمعرفية، ولم تأخذ بيد المعلم ذي الأداء (المنخفض) للتطور.. ولم تعط المعلم (المتمكن) حقه المشروع في التحفيز والتشجيع لنجاحات أخرى منتظرة، ثم إن تلك اللقاءات ومثيلاتها لم توفر -بعد- البيئة المدرسية اللائقة (ببشر) تريد أن تتعلم، ثم تتخذ سبيلها، الذي به تحقق ذاتها وتؤدي رسالتها وتخدم أمتها ووطنها. وعندما أعود للحصيلة المعرفية لأبنائنا (وبناتنا)، والتي من (المفترض) أن يكون (التعليم) بتلك البرامج واللقاءات على مدى زمن طويل قد ساهم في الارتقاء بها، ولكنها بدت كما هي.. هشة.. مجدبة (يكفي أن أذكر أن استبيانا شمل 600 طالب في المرحلة الثانوية، أعده أحد المعلمين متضمنا السؤال عن إمكانية التعرف على عشر شخصيات بارزة ومؤثرة على مستويات عدة: نابليون -جراهام بل- ابن رشد- نجيب محفوظ- غاندي- أحمد زويل- سيركوزي- عبدالعزيز خوجة. فكانت النتيجة كارثية بكل المقاييس، حيث إن 560 منهم لم يعرفوا أحدا على الإطلاق، فيما الأربعون الباقون عرفوا شخصيتين، أو ثلاث على أقصى تقدير!!)
ومن جهة أخرى فإن هذه اللقاءات (النظرية) تظل في واد، والميدان الحقيقي في واد آخر، لأن ما يصدر عن المؤسسات الحاضنة للتعليم ينبثق عن فكر نمطي يستند إلى نماذج جاهزة، تدعي اكتمال الحقيقة، مع أن الفكرة (الإيجابية) الخصبة التي نحتاجها لا تزعم أنها انعكاس تام للحقيقة، بقدر ما هي صيغة للتعايش والتفاعل، من خلال الاشتغال على المعطيات وتحويلها إلى إنجازات، كما أن المعلم -المحور الرئيس الذي تتحقق به أهداف التعليم- يظل بمنأى عما يضطرم حوله من لقاءات ومؤتمرات وقرارات، فما يصله مباشرة وسريعا، هو الواجبات والتكليفات التي يجب عليه أن يضطلع بها فقط وينفذها آليا (كما هي)، أما انتظار صوته، فليس مهما لهؤلاء المجتمعين دائما، مهما علا الشأن المعرفي لذلك المعلم.
-2 أما (المقررات) التعليمية التي (تحمل) الدولة ميزانية ضخمة لإعادة طباعتها كل عام بذات الأخطاء المعرفية والتقنية (على سبيل المثال.. فقد جاء في كتاب الأدب للصف الثالث ثانوي، أن شعراء الاتجاه التجديدي في الأدب السعودي تأثروا بشعراء مدرسة الإحياء الكلاسيكية، فكيف يتفق أمام الذهنية الصحيحة -لا أقول الأدبية والنقدية- تجديد مع تقليد ومحاكاة في اللحظة ذاتها؟!. وفي مشهد آخر، ورد في الكتاب إياه أن الرواية المحلية تبدأ عند الرائد حامد دمنهوري، مغفلا الروايات الأولى الرائدة كروايتي «فكرة» للسباعي و«البعث» لمحمد علي مغربي 1948. وفي كتاب البلاغة والنقد للصف الثالث ثانوي -كذلك- يقحم مؤلفوه دراسة «المضمون» ضمن الوظيفة الفنية الجمالية. وفي مقاييس نقد الشعر يجعل الكتاب «الخيال والأسلوب» عنصرين ضمن «الشكل الشعري»، مع أن المتعارف عليه في كل خطابات النقد الأدبي، أن «الشكل» هو الأسلوب ذاته والذي يشمل الألفاظ والتراكيب والصور الفنية، كما أن «الخيال» لا يمكن أن يكون عنصرا من عناصر النص الأدبي، إذ هو الملكة الذهنية التي تنتج عنها الصور الفنية، والتي هي (العنصر) الذي يقصده الكتاب، ولم يقع عليه منذ أكثر من 10 أعوام!!)
-3 أما بالنسبة للاختبارات الجديدة، فهي حيث المبدأ كثيرة ومتقاطعة وفاقدة للمنهجية الصحيحة في القياس والتقويم، فعندما (توجب) الصياغة الجديدة لأسئلة الاختبار أن يأتي المعلم بسؤال على كل فقرة من فقرات الكتاب، لتبلغ أحيانا أكثر من 60 فقرة، فإنها تغفل الفرق بين المبادئ الرئيسة التي يجب أن ترسخ في الذهنية المتعلمة لهذه المادة مثلا، والمعلومات الجزئية المساعدة (الأمبريقية) التي لا يعد نسيانها أمرا معيبا وحاسما عند القياس والتقويم.
أما طريقة الاختبارات الجديدة التي يقتصر دور الطالب فيها على (تظليل) رمز الإجابة الصحيحة، ووضع إشارتي (صح) أو (خطأ) أمام ما يناسبهما من العبارات، فهي لا تقيس -مطلقا- أبرز المهارات التعليمية، ثم إنه لا يمكن تعميمها، لتشمل جميع المواد الدراسية، فأدوات قياس المناهج اللغوية والأدبية لا تتفق بالضرورة مع طريقة قياس المواد العلمية والتطبيقية.
وأخيرا: يظل الأمل للإنسان أمرا مشروعا في الحياة، وبالأخص عندما يشعر أن ثمة عملا جديدا، بدأت خطواته تبرز على الدرب الطويل!