الإذاعة والتلفزيون بعد خمسين عاما.. ثم ماذا؟
الجمعة، ١٦ مايو ٢٠١٤
قبل أسابيع احتفل الإعلام السعودي بمناسبة مرور خمسين عاما على بدء تأسيسه، وهو خبر يحمل في طياته معاني وتأملات: كيف كنا؟ وكيف أصبحنا؟
كلمة حق قبل أن نبدأ: لقد منّ الله علينا بنعم تترى، وجعلنا نقفز قفزات سريعة، فجمع كلمتنا بعد فرقة، ووحد رايتنا تحت راية تحمل أعظم شعار، لقد عشنا منزوين عن العالم مئات السنين، وكانت الحضارة تتحرك سريعاً وكنا للتو بدأنا ندرك أن ثروات هائلة ساقها الله إلينا نعيش فوقها، فأصبحنا تجار النفط في العالم.
في الوقت التي بدأت فيه صحافتنا من الصفر كانت الصحافة لدى بعض دول العالم قد زاد عمرها عن مئتي سنة وأكثر، وفي الوقت الذي بدأ فيه التلفاز لدينا بالكاد كانت كثير من القنوات أو الإذاعات قد أصبحت تغطي المعمورة بمراسليها ومصوريها، أعلم يقيناً أن بدايتنا تحتاج لوقت لكي تتعدل المسيرة، وتحتاج لوقت كي تنهض.
ولكن السؤال المطروح هنا:
كم هو الوقت الذي نحتاجه لننهض؟
وهل بعد خمسين سنة وصلنا للهدف المنشود أم لا؟
هل أصبح إعلامنا بيئة تهاجر إليها الشخصيات الإعلامية أم تهرب منها؟
هل أصبح شبابنا يتعلقون بإعلامنا أم نفروا منه؟
هل أصبحنا نتخذ من برامج الإعلام خلال الخمسين سنة الماضية وثائقيات تاريخية وسير ذاتية لحقبة مهمة من مسيرتنا؟
هل أصبح إعلامنا أنموذجاً تتسابق قنوات العالم العربي “على الأقل” لتجاريه أو تقلده في سرعة بثه للأخبار والحوادث العالمية؟
هل أثبت إعلامنا قدرته على إقناع المشاهد بمصداقيته وجرأته وأسلوب طرحه؟
والسؤال الأهم: هل أظهر إعلامنا علماءنا ومفكرينا أم أننا عشنا في مرحلة لعشرات السنين كنا نستقي البرامج الوثائقية والعلمية، بل حتى أغلب البرامج الدينية، من دول أخرى؟
من حق المشاهد السعودي العادي أن يقيّم تلك المرحلة وما بعدها بكل صراحة، فنحن المستهدفون، ونحن الحكام، وليس من العدل أن يقيم الإعلام نفسه أو يوقع عقوداً مع شركات بملايين الريالات لتقيس نسبة مشاهديه، فالجمهور السعودي قادر أن يكفيه المؤونة بدون أن يطلب شيئاً.
سأضرب مثالاً يسيراً حصل معي ومع غيري: فقد حاولت مراراً أن أبحث في أرشيف الإعلام السعودي عن برامج قدمت قبل أربعين سنة، وفوجئت أن الأبواب موصدة ولا مجيب بنعم أو لا، أليس من حقنا أن نقّيم تلك المرحلة ونعتبرها جزءًا من تاريخنا الجميل؟
وأما الإذاعات فقبل خمسين سنة كانت الإذاعات فردية وأهلية يقوم بها أفراد نجهل اليوم ما قدموه من خدمات جليلة، في مكة إذاعة وفي جدة إذاعة وفي المدينة إذاعة وأما المنطقة الوسطى فشهدت إذاعة أهلية اشتهرت باسم صاحبها “طامي”، نسيتها الأجيال ونسيت سنينها وما كان فيها من ذكريات وأفراح وأتراح، وفي عنيزة إذاعة وفي الشرقية إذاعة وحتى في بلجرشي تلك المدينة الوادعة بين الجبال كان لدى الأهالي إذاعة مشهورة وأخبار وبرامج خاصة وفي غيرها من المناطق أيضاً مثل ذلك إذاعات أهلية، ثم ماذا؟ أوقفت تلك الإذاعات الأهلية وتم الاقتصار على إذاعات محدودة للتنظيم، والحق يقال إنهم أحسنوا في ذلك التنظيم، ولكن مع مرور الوقت وتغير الزمان أصبحت المواقع الانترنتية الأهلية تنافس الإذاعات والقنوات الرسمية في سرعة نقل الخبر وسرعة التغطيات وتصوير الحوادث وإيفاد المراسلين وهكذا عدنا لذات المنافسة القديمة.
والحق أن مجال نقل الخبر وتوثيقه باب تنافس شريف، وسأكتفي بمثال واحد من أخبار الطقس وتقلبات الجو عندما غرقت جدة في كارثة السيول قبل خمس سنين كان إعلامنا في اليوم الأول يسير عكس التيار العام تماماً فكان يتكلم عن الأجواء الجميلة وأن الناس خرجوا يتنزهون مسرورين!
كانت زلة إعلامية، وحتى لا تتكرر أقول بلسان صادق: ثم ماذا بعد خمسين سنة؟
khedr.s@makkahnp.com