هل سنكون النمر العربي في غرب آسيا؟!

عادة ما تمر على الأمم والشعوب فترات ومنعطفات تاريخية تكون فيها الظروف مهيأة أكثر من أي وقت مضى للمسير قدما نحو صنع نموذج نهضتها الفريد العلمي والتقني والصناعي.. ولكن الأمر ليس سهلا، فهناك منعطفات خطيرة تتقدم بها الدول مئة سنة للأمام، أو تنتكس انتكاسات تؤخرها أجيالا عدة عن ركب العالم المتقدم.. وفي الجزيرة العربية عام 1929 كان الملك الموحد للكيان الكبير المملكة العربية السعودية ينتصر في معركة فاصلة على أعداء التحديث والتطور ليؤسس عام 1953 أول مجلس وزراء في البلاد بعد أن خاض (رحمه الله) معارك التوحيد والتثبيت للدولة الأعظم على هذه الأرض المباركة منذ ألف عام.. كان الإرث كبيرا والأمية قد تجاوزت 90% والموارد لا تفي بحاجة قارة في حجم المملكة الوليدة..وعبرعقود تعاقبت.. منّ الله على هذه البلاد بالخير العميم، وبدأت عجلة التنمية تدور وتنطلق في أنحاء المملكة الشاسعة، تتسارع أحيانا وتتباطأ أحيانا حسب الظروف الاقتصادية والسياسية في المنطقة. في المجمل كانت تجربة التنمية في المملكة أكبر وأعظم تجربة في المنطقة العربية حجما واتساعا وتنوعا وإنجازا، وتحولت من بلد يفتقر إلى أساسيات الحياة والتقدم إلى بلد يحتل اقتصاده المرتبة التاسعة عشرة في العالم.
تحاشت السعودية بعد وقبل ذلك قدر الإمكان أن تنضم إلى تيارات أو جماعات قومية أو فكرية أو دينية، وحاولت أن تحافظ على استقلالها الفكري، مثلما حافظت على استقلالها السياسي باعتماد سياسة النفس الطويل والرؤية المتوازنة التي تحفظ البلاد والعباد من الدخول في مغامرات غير مأمونة الجانب، وفرغت نفسها لمعركة البناء والتنمية، دون أن تنسى التزاماتها الأخلاقية والدينية تجاه مجالها العربي والإسلامي..أغاظت التجربة السعودية الكثيرين، ومع الأسف كان الأذى يأتينا من الأشقاء أكثر من غيرهم!! خاصة بعد أن استعادت الجزيرة العربية دورها الريادي المفقود من قرون طويلة.. وصفنا عند بعض التيارات بالبدو وبالقوى الرجعية وبعرب النفط... إلخ، المهم أننا حافظنا على كياننا وازددنا قوة مع الزمن، وطورنا بلدنا بأحدث الخدمات والأنظمة، ومنحنا إنساننا الفرصة للتعلم في أعتى جامعات العالم، وحصدنا 60% من براءات الاختراع المسجلة في الوطن العربي ونعمل لمضاعفتها عشرات المرات فيما يفيد تنويع القاعدة الاقتصادية والإنتاجية للبلاد. صحيح أننا تعثرنا مرارا وتأخرنا كثيرا، ولكننا كنا ننهض من غفوتنا أشد عزيمة وأقوى إصرارا!
والآن تعيش السعودية مرحلة فاصلة تحاول فيها أن تستفيد من كل ما استثمرت فيه طوال السنوات الماضية في مواردها البشرية والاقتصادية لإحداث نقلة كبرى تأخرنا فيها قليلا ولكننا نعمل عليها الآن، وهي تجاوز مرحلة دولة ومجتمع التنمية الرعوية إلى مرحلة النهضة الشاملة للدولة المنتجة معرفيا وصناعيا. إن تعظيم تلك الجهود للعشرين سنة القادمة، ومواصلة نهجنا المتوازن فكريا وسياسيا وعدم الدخول في مغامرات لا طائل منها، هو ما سيحول السعودية إلى نمر عربي في غرب آسيا، كما حدث في شرقها!

alasmari.m@makkahnp.com