سطوة الشيطان و(فصفص) المصلي:الوعاظ وتسويق الخرافة

يعتمد معظم الوعاظ على نبرة الصوت المرتفعة، ومصطلحات الترهيب، لإقناع سامعيهم بصدقية ما يقولون، فتجدهم حين يروون قصة أو يريدون إيصال معلومة يصرخون وهم يقدمونها ثم يعقبون عليها بالتهويل من نتائجها مستعينين بـ(اتقوا الله وخافوا الله و... و...) قاطعين بذلك الطريق على سامعيهم بأن يتأملوا في معقولية أو صحة ما استشهدوا به من قصص، قد تكون أقرب إلى الخرافة منها إلى العقل.
أحد هؤلاء الوعاظ - هداه الله - أراد أن يحث الناس على أهمية الخشوع في الصلاة، فروى لسامعيه ثلاث قصص يستشهد بها على سطوة الشيطان على المصلين، ونجاحه في صرفهم عن الخشوع، فروى أنه - شخصيا - بعد صلاة جهرية في أحد الجوامع المكتظة بالمصلين، وقف، وسأل الحضور: ماذا قرأ الإمام في الركعة الأولى أو الثانية؟ فكأن على رؤوس المصلين الطير، لم يجب أحد، يعني ولا واحد في جامع كامل كان خاشعا، ثم صاح الواعظ: أرأيتم أيها الإخوة، إنه الشيطان، إنه الشيطان... إلخ، قاطعا بذلك التساؤل عن أين هذا الجامع الذي وقفت وسألت المصلين فيه، وما إلى ذلك من الأسئلة التي تفضي إلى أي مدى القصة صادقة، حيث لا يعقل أن جامعا فيه على الأقل مئة مصل ليس فيهم واحد، واحد فقط، خشع في صلاته!! وبعد أن تهيأت الأذهان روى القصة الثانية: أحدهم استبد به الشيطان، وأنساه أنه واقف في المسجد يصلي، فمد يده في جيبه وبدأ (يتفصفص)، وينفث قشر (الفصفص) على المصلي الذي في الصف الأمامي، وحين لاحظه جاره في الصف لكزه، فما كان من (المتفصفص) إلا أن أخرج حفنة (فصفص) ومد بها إلى جاره، ثم صرخ: تعوذوا بالله من الشيطان الرجيم. أما أين ومتى حدثت قصة (الفصفص) هذه، فلا يهم، المهم استبداد الشيطان لدرجة أكل (الفصفص) في الصلاة. أما القصة الثالثة فالواعظ نفسه شاهد عليها، فقد وقف يصلي وإلى جواره رجل ضخم القامة نظيف الملبس، وما إن بدأت الصلاة حتى انطلق صوت موسيقى من جواله فأدخل يده لقطع الاتصال، فجاء إصبعه على (الاسبيكر) فإذا على الطرف الآخر زوجته التي استمع الواعظ إليها وهي تصرخ (وجع آش فيك ما ترد عمى في قلبك و...) واستمرت تهزئ زوجها، وصرخ الواعظ، أرأيتم ما يفعل الجوال والشيطان؟ هذا التسطيح الوعظي الذي ما زال مستمرا، ليس جديدا، فقد بدأ منذ بدايات ما سمي بالصحوة، منذ المسك الخارج من قبور مجاهدي أفغانستان والحجر الذي حطم دبابة وغيرهما من الخرافات والأكاذيب. ويروى أن الإمام أحمد ويحيى بن معين كانا في أحد المساجد، وبعد الصلاة قام واعظ يروي عنهما ما لم يقولاه، وبعد أن فرغ سألاه: نحن أحمد ويحيى فمن أين أتيت بما قلت؟ فقال: ألا يوجد أحمد بن حنبل ويحيى بن معين إلا أنتما؟ وبغض النظر عن مدى صحة هذه القصة، فإن الوعاظ لن يعدموا وسيلة لتسويق الخرافة منذ قرون وحتى يومنا هذا، والمشكلة الحقيقية هي عند من يصدقونهم ويتجمهرون حولهم، ويظنونهم علماء، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

qenan.a@makkahnp.com