من أين جاؤوا؟

في ظل الأوضاع المحيطة بنا وخصوصا تلك التي أفرزها الربيع العربي بدأ البعض يتحدث عن التيار الإسلامي إجمالا في المنطقة العربية كما لو كان تيارا نشازا قد جاء من المجهول وقفز إلى المشهد من الباب الخلفي ليختطف الأضواء والخيارات، وليقضي على آمال المجتمعات، فهو بناء على هذه الرؤية تشكل في الظلام ونضج في أيام وامتد في أسابيع، وحضر على حين غفلة دون أدنى استحقاق لأي شيء من أي شيء، إلى آخر هذه المعاني التي لا يخطئها الناظر في كتابات جمع من الإعلاميين النفعيين، أو المثقفين الليبراليين، وهم تحت طائل هذه الفكرة التي روجوا لها بكل ما أوتوا من قوة يدوسون على أبسط مبادئ الديمقراطية من الاحتكام للصناديق وقانون الأغلبية أيا كانت المخرجات.
والصدمة الحقيقية هنا إنما جاءت من الكفر الصريح بهذه المبادئ التي صدعوا بها الرؤوس زمنا طويلا، وبشروا بها مخرجا للمنطقة كلها من حالة التخلف الحضاري، وجعلوا هذا المسلك تحديدا هو الرقم الفارق بين التقدم الغربي والتخلف الشرقي، وهنا فقط تنكشف القناعات الحقيقية من تلك المدعاة، ويتبين مقدار الإيمان بها من مجرد استخدامها فقط عند الحاجة، وبعيدا عن الأحزاب التي تصدرت المشهد الجديد فإن الملمح الأهم الذي برز على الساحة هو أن الخيار الأول وربما الوحيد المطلوب شعبيا والقادر على تقديم نفسه للجماهير بصورة مقنعة هو التيار الإسلامي بكل الظلال الفكرية الهائلة التي يحملها، وأن تجاوزه أو محاولة إقصائه لن تنجح على المدى البعيد مهما كان حجمها.
وقد أفرزت الأحداث وما زالت حالة من الاضطراب والخلل الذي نشأ عن الفكرة السابقة التي أطلقها وروجها خصوم هذا التيار وما تبعها بعد ذلك، وهي الفكرة التي جاءت عند كل من يعقل خلافا للمنطق من كل جهاته، ولأنها حملت في طياتها مغالطة كبرى حين استبعدت الفكرة الإسلامية من التجلي في بعض مظاهر الحياة مع كون شعوب المنطقة كلها إنما تنتمي إلى الإسلام وتريده وتتوق إلى رؤية مبادئه الجميلة العادلة حاكمة على كل جوانب الحياة، حتى غدت كل اللافتات التي تتكئ على هذا المكون الأصيل في فكر ووجدان وتاريخ الأمة تجد لها موقعا وقبولا على تفاوت بينها بحسب برامجها ومصداقية وقدرة رجالها.
وحين تكون الشواهد التاريخية والاجتماعية شاهدة لحاملي اللافتة الإسلامية بحضورهم وقربهم من حياة الناس ووعيهم بمتطلبات الكرامة المفقودة والمقدرات الضائعة وفي ظل تجربة طويلة مريرة مع الشعارات البراقة الخادعة الكاذبة التي ظهر إفلاسها وزيفها فلا غرابة حينها في عودة هذا التيار إلى صدارة المشهد، وسيكون من الغريب فعلا ألا يسمح له حتى بأن يخوض فرصته ليفشل كما يقول مخالفوه. وعلى كل حال فالليالي ما زالت حبلى بآثار كبيرة لهذه الحالة التي تمر بها الأمة وعسى أن يكون ذلك خيرا.