هل ندم جنوب السودان على الانفصال؟

عانى جنوب السودان بعد انفصاله عن السودان الدولة الأم واستقلاله في 2011، من مشكلات عديدة تعصف بوجوده، من بينها تفجر الصراع حول السلطة واشتعال حرب أهلية ذات طابع قبلي أودت بأرواح الكثيرين من مواطني الجنوب فيما تشرد آخرون في دول الجوار ونزح بعضهم إلى معسكرات آمنة تابعة للمنظمات الدولية داخل الدولة الوليدة.
وكذلك انهارت الخدمات الصحية والتنمية الاقتصادية، وتوقفت العملية الإنتاجية تماما إلى جانب تفشي الفساد الإداري والمالي، وأصبح مواطنو الجنوب مهددين بالموت جوعاً أو برصاص الإخوة الفرقاء. ويدور الآن قتال وصراع واستقطاب حاد بين المكونات القبلية في الجنوب، إذ تتقاتل الآن قبيلتا الدينكا والنوير.
والدينكا هي القابضة الآن على السلطة وتمثل 40 % من إجمالي سكان جنوب السودان البالغ عددهم 12 مليوناً، فيما تشكل قبيلة النوير التي ينتمي إليها زعيم التمرد الدكتور رياك مشار 10 % من إجمالي السكان، وتعتبر الثانية من حيث التعداد والأنشط في كسب ود القبائل الصغيرة وحشدها ضد حكم الدينكا.

دوافع الوحدة

فهل دفع هذا الواقع المتردي وانعدام الأمن والحياة في الجنوب بمواطني الجنوب وحكامهم إلى الندم على الانفصال، والسعي نحو وحدة السودان مجددا؟ وهل يقبل السودان بعودة الجنوب بعدما صوت مواطنوه على الانفصال بنسبة 99%؟
فالرئيس السوداني عمر البشير كشف لدى مخاطبته المؤتمر الرابع لأمانات الزراع والرعاة في حزب المؤتمر الحاكم أن الجنوبيين عرضوا الوحدة مع السودان مجددا وعبروا عن أسفهم على الانفصال، وأنه قال لهم: في حال اقتنعنا سنعرض الأمر في استفتاء على السودانيين.
وفي هذا السياق، قال المتحدث الرسمي باسم المجلس الانتقالي للثوار في جنوب السودان اللواء محمد شول الأحمر لـ “مكة” إن جنوب السودان استعجل تقرير المصير والانفصال. وأضاف: الجنوب غير مهيأ لإقامة دولة مستقلة، وكان من المفترض أن يكون الانفصال بعد 10 سنوات على أقل تقدير. ودعا إلى وحدة السودان مجدداً باعتبارها صمام الأمان لمواطني الجنوب،
إلا أن وزير الإعلام المتحدث الرسمي باسم حكومة جنوب السودان مايكل مواكوي رفض في تصريح إلى “مكة” هذا الأمر، قائلاً: لا علم لي بأن هناك سياسيا جنوبيا طالب بإعادة توحيد السودان..عندما صوتنا في الاستفتاء على تقرير مصير جنوب السودان كان هناك وحدويون صوتوا لصالح الوحدة مع السودان، وهؤلاء يتوقع أن يصدر منهم مثل هذا الحديث. أما بالنسبة لشعب جنوب السودان فإن موضوع الوحدة بعيد كل البعد عن أفكارهم، والقرار الذي اتخذه شعب جنوب السودان فاصل ونهائي ولا تراجع عنه إطلاقاً، وموضوع وحدة السودان مرة أخرى أمر بعيد كل البعد عن الواقع. وأضاف: في تقديري فإن دعاة الوحدة مع السودان لا يوجد لديهم أتباع أو أنصار داخل جنوب السودان، وهم في الواقع يعبرون عن رأيهم الشخصي فقط دون سند جماهيري لتحديد مصير جنوب السودان الذي نال استقلاله.

بعد الرحيل

وبين هذا وذاك، رأى رئيس قوى الإجماع الوطني في السودان، فاروق أبوعيسى، أن الجنوب لن يعود للسودان طالما المؤتمر الوطني يتربع في الحكم، ولكنه سيعود في حال عادت الديموقراطية وعاد قادة أهل الوطن لقيادته من جديد. وقال: نحن على اتصال بهم وأكدوا استعدادهم في تلك الحالة.. الجميع يبكي على اللبن المسكوب.. دعوا دولة الجنوب وشأنها ولا تستفزوهم أكثر.

تردي الخدمات

وتفيد التقارير الآتية من جوبا بأن المرافق الخدمية في جنوب السودان شهدت ترديا واضحا في مستوى الخدمة، مما أوجد حالة عدم رضا عن حكومة سلفاكير على نطاق واسع بين المواطنين، لفشلها في توفير فرص العمل، والرعاية الصحية الكافية، والمدارس والمساكن والطرق، والاستثمار في البنية التحتية والقطاعات الرئيسة مثل الزراعة. فبعد أكثر من عامين من الاستقلال لا يزال 50 ٪ من السكان يعيشون تحت خط الفقر، وترتفع معدلات الأمية، ويبلغ متوسط العمر المتوقع 42 عاماً. كما تعاني المستشفيات الحكومية من نقص الكوادر الطبية المتخصصة، وتنعدم المستشفيات الخاصة، وترتفع معدلات وفيات الأمهات عند الولادة بجانب انتشار الأوبئة والأمراض، إلا أن المتحدث باسم حكومة جنوب السودان طمأن على سلامة الخدمات الطبية، وقال: لا توجد أي أمراض وبائية متفشية، ولا يوجد سوى الأمراض العادية المستوطنة في جنوب السودان مثل الملاريا..من الناحية الصحية لا توجد أي إشكاليات باستثناء نقص في الكوادر الطبية في تخصصات معينة في بعض المستشفيات.

المجاعة تهدد الجنوب

وتقول الأمم المتحدة وشركاؤها إن 2.3 مليون شخص سيحتاجون لمساعدات غذائية هذا العام، إلا أنه سيتم توفير خدمات التغذية إلى 3.2 ملايين نسمة، موضحة أن 4.6 ملايين شخص من جملة عدد السكان البالغ عددهم 12 مليونا يعانون من انعدام الأمن الغذائي. وبلغ الإنفاق الحكومي على الزراعة بين عامي 2012 و2013 نحو 5.2 ٪ فقط من الميزانية الوطنية، مقارنة بإنفاق 25 ٪ على الخدمات العسكرية والأمنية.
وتنفق الحكومة نحو نصف الميزانية على نفسها، معظمها على الرواتب، وعلى سيارات باهظة الثمن للوزراء، ولكن مكواي نفى وجود فجوة غذائية في جنوب السودان، رغم تحذير الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون من أن نحو مليون شخص مهددون بخطر المجاعة، لافتاً إلى أن هناك فجوة بسيطة نتيجة للأحداث الدامية التي تجري في جنوب السودان والتي تسبب فيها المتمرد رياك مشار. وقال: مؤكد أن تداعيات الأحداث سيكون لها تأثير لكنه لن يصل إلى حد إعلان المجاعة.


فساد مالي وإداري ينخر الدولة الوليدة

تشكو دولة جنوب السودان قضايا الفساد المالي والإداري الذي ينخر جسدها على الرغم من أنها دولة وليدة.
واعترف الرئيس سلفاكير سيلفا كير ميارديت بأن مليارات من الجنيهات السودانية تعرضت للاختلاس، ودعا العام الماضي 75 مسؤولا، لم يسمهم، إلى أن يعيدوا ما اختلسوه.
وتبع ذلك إقالته لوزيري المالية كوستي مانيب وشؤون الحكومة دنيق ألور، للاشتباه في ضلوعهما في قضية فساد بـ8 ملايين دولار لاستيراد طفايات حريق.
وقال إن الوزيرين اللذين عزلا لم يقدما أي أعمال لنهضة جنوب السودان أو خدمات تكون في صالح المواطن الجنوبي وعزلا لفسادهما، وطيلة فترة وجودهما في السلطة عملا في تشييد المباني والعمارات الخاصة بهما في جوبا وفي نيروبي وكمبالا وحتى أمريكا.
ووجه سلفاكير رسالة إلى الموظفين الحاليين والسابقين يطالبهم فيها بإعادة ما لا يقل عن 4 مليارات دولار من الأموال المنهوبة.
ووصلت أصداء الفساد الإداري والمالي في جنوب السودان إلى مسامع المسؤولين الأمريكيين في واشنطن خاصة الذين كانوا بالأمس القريب داعمين للانفصال ومنهم المدير السابق للشؤون الأفريقية في مجلس الأمن القومي الأمريكي جون بردر غاست، والمسؤول السابق في وزارة الخارجية روجر وينتر، فنددوا بانتشار الفساد بعد حصولهم على أدلة واضحة.
وقالو إن حكومة الجنوب لم تقدم الخدمات اللازمة في مجال البنى التحتية وارتكبت انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان، مشيرين إلى أن مستقبل هذه الدولة الناشئة غير واضح المعالم.
وجاء في رسالة وقعها من يطلقون على أنفسهم “أصدقاء جنوب السودان” أن كثيرين في جنوب السودان يعانون ويبدو أن أعضاء الحكومة يفكرون في أنفسهم فقط.

مفوضية لمكافحة الفساد

ودشن جنوب السودان لدى احتفاله باليوم العالمي لمحاربة الفساد بمركز نيكروما الثقافي بجوبا في ديسمبر الماضي، استراتيجية لمحاربة الفساد من 2010 إلى 2014.وتم تطوير الاستراتيجية من خلال مشاورات شارك فيها المعنيون في الحكومة والقطاع الخاص والمجتمع المدني، وتشكيل مفوضية لمكافحة الفساد في 2007 وقد أُجيز قانون محاربة الفساد في البرلمان في مارس، إلا أنه لم تتم المصادقة عليه حتى الآن، ومنح منتسبي شرطة الجنوب صلاحيات واسعة للملاحقة وجمع المعلومات، وفقا للضوابط التي يحددها القانون.

مئة يوم

وكذلك وضعت خطة عرفت بخطة “مئة يوم” لمكافحة الفساد والضرب على أيدي الفاسدين وتم التشديد على أهمية الدور الذي يلعبه جهاز مكافحة الفساد في إرساء قواعد المساءلة والتأسيس لدولة تحارب الفساد، إلا أن مفوضية الفساد نفسها عانت من الفساد وعجزت عن دفع إيجار مقرها.
ولكن المتحدث باسم حكومة جنوب السودان مايكل مكواي لديه رأي آخر يبرر وجود الفساد بالجنوب، وقال لـ”مكة”: من الذي قام بقياس معدلات الفساد حتى يوصف بأنه كبير؟ الاختلاسات والفساد ظاهرة عالمية وليس جنوب السودان باستثناء، لا يمكننا القول إن الفساد متفش بدرجة كبيرة، الشيء الذي أعلمه أن الفساد متفش في دول أخرى أكبر من جنوب السودان.