نشرة أخبار الفساد
الأربعاء، ١٤ مايو ٢٠١٤
هنا: «نزاهة»، بينما ساعتها الرمليّة في مكافحة «الفساد» تشير إلى أنّ التوقيت لم يزل بعْدُ: (متأخرا)!
إذ ما مِن شيءٍ يُمكنه أن يتصدّر نشرتها الإخباريّة سوى جُملٍ من عباراتٍ «وعظيّة» تمّت صياغتها على نحوٍ يشي بهوانها على الناس.
وتبدو «نزاهة» وكأنها تخشى الناس ولا يخشونها، ذلك أنّها هي من قد هانت عليها نفسها يوم أن خلعت سلطان هيبتها مِن على كتفيها واكتفت تالياً بممارسة دور إذاعة مدرسيّة في هجرة نائية! في حين ظلّت نشرةُ أحوالها «الجويّة» معلّقةً بسببٍ من عواصف ترابية رفعتها رياحٌ قويّة مضطربة إلى ارتفاعات عاليةٍ كان لها الأثر الأكبر على حجب الرؤية الأفقية!. ينضاف إلى ذلك عدم نقاء الغلاف الجوي لتلوث -فضاء الحرية- بجسيماتٍ عالقةٍ من الغبار أو من كائنات عضوية مجهريّةٍ ليست تُرى بالعين المجردة..
كما وأنّ للمطر -الذي كثيرا ما يأتي لما أن نكفَّ عن صلاة الاستسقاء- أثره البالغ في تباين حالة الطقس -وفق النشرة الجوية لنزاهة- إذ إنّ سُمك طبقة الماء الذي ما برح يتراكم حيثُ يغاثُ الناس في أيّ حفرةٍ تتهيأ لاستقباله إذ يمكن لهذا -المطر العابر- أن يُحدث أي منخفضٍ جويٍّ يسفر وقت «الوسم» عن احتفالية بمستقبل حافل لكِبر حجم «الكمأة/ الفقع» في محمياتٍ حظُّ الناس منها محض المشاهدة!.
وبأيّ حالٍ.. فمالكم ولأذى «أخبار الفساد» ذلك الذي لم يعد «سرّاً» فيفتضح أمرُه ونستطيع القول بأنّه ما من اثنين يتناجيان في «شيءٍ/ أو عن شيءٍ» إلا وهو تناجٍ يتوجه لفسادٍ أو مفسد.. ما يجعلني في حلٍّ مَن تسميم عيونكم بقراءة آخر ما جاء في «نشرة أخبار الفساد».
ولعله من المفيد فيما بقي أن أُفطنكم إلى «ماهية» الفساد على هذا النحو المجمل:
* الفسادُ عقبةٌ رئيسةٌ تقف في طريق التنمية، أو بمعنى آخر لا يمكن أن تكون ثمة تنمية في ظلِّ وجود فسادٍ يعطل مساراتها.
* الفسادُ كائنٌ حيٌّ له كلّ ما لنا من صفاتٍ غير أنّه يتمتّع بحصانةٍ تجعله يرانا -هو وقبيله- من حيث لا نراهم.. ومتى ما شاء أمكنه -نفوذه- مِن أن يتلبّسنا جهاراً نهاراً ثم لا يلبث أن يتكلّم على ألسنتنا بما شاء.. وهذا المارد قد أعيا كل «الرقاة» في أن يخرجوه بينما «الرُّقى» شرعيّها/ وبدعيّها هي الأخرى قد أبدت امتعاضها من كيد الفساد!
*الفسادُ هو شملُ «قبيلةٍ» تتم لملمته بطريقةٍ توهن عرى وطنيّةٍ وثقى، الأمر الذي افتقد معه الوطن معنى الانتماء فيما اقتسمناه بوصفه مغنماً/ ومنهباً.
*الفسادُ ليس عملاً عابثاً لا خطام له ولا زمام، وإنما هو عملٌ متقن توافر على كل أسباب النفاذ والاستقواء ما كفل له الديمومة والنماء في عملية تناسل تشبه إلى حدّ كبيرٍ تكاثر البكتيريا الضارة.
*الفسادُ قوةٌ ضاربةٌ -في المليان- سلاحها الكمون/ والاستتار ولئن أعيتها الحيلة فلم يكن بد من الظهور على السّطح اضطراراً فإنّ في الزريبة أكثر من «كبش» فداء.
*الفسادُ علاقةٌ جدليةٌ ما بين التّخفي والتجلي إذ إنّ له خطابه الذي يُصنع على أعين خبرائه بحرفةٍ متقنةٍ وبرهان مهنيّتها أنّها إن شاءت جعلت من «محاربة الفساد» فساداً تجب محاربته.
* الفسادُ اشتغالٌ دؤوبٌ يراكم تجربة السابق على اللاحق ليظهر في كلّ عام بوجهٍ غير الوجوه التي كان عليها من ذي قبل.. تعددت الوجوه والفساد واحد.
*الفسادُ حبلٌ من مسدٍ يلتفّ على عنق «الوطن» ابتغاء أن يُحكِم خناقه على «إنسانه» ليحيل حياته جحيماً لا يطاق من المسغبة والجور لتلتاث بالتالي كرامته في سبيل لقيماتٍ يسدّ بها جوعته أو سكنٍ يطمأن من خلاله على مستقبل فلذات كبده بعد أن يوارى جسده التراب.
*الفسادُ إنْ هو إلا وباء عضال إذا ما استشرى في جسد «الوطن» أحاله إلى كومةٍ من أرضٍ يبابٍ تُداس فيها «كرامة الإنسان» وتنتفي فيها كلّ قيم الاستقامة والعدل والمساواة إيذاناً بانفتاح أبواب الرذائل على مصاريعها.
لأجل هذا عُني القرآن أيّما عنايةً بضبط دال الفساد في الأرض وهو ما يمكن أن نتلمس بعضاً من مظاهره في هذه الآيات:
-(وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجاً وَاذْكُرُوا إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ وَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ) وفي نفس السورة (ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِين» قوام الفساد إذن صدّ عن سبيل الله ومحاربة أنبيائه وتنكب منهجهم في الإصلاح.
-(وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِين) وهاهنا أبرز ما يتّصف به «المفسدون في الأرض» حيث الغش وتطفيف الكيل والميزان وبخس الناس أشياءهم.
-(قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ) لتأتي السرقة علامة فارقة نَميزُ فيها المفسد من المصلح.
وجملة ما يمكن به ختم المقال التوكيد على أنّ «الفساد» إذ يظهر في البر والبحر فإنما هو بما كسبته أيدينا ذلك أنّ البلاء شأنٌ داخليٌّ.. فعسى القوم أن يفقهوا ذلك حتى لا نجعل من الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض.
الفسادُ ليس عملاً عابثاً لا زمام له، وإنما هو عملٌ متقن توافر على كل أسباب الاستقواء، ما كفل له الديمومة والنماء.
alsaif.k@makkahnp.com