من هنا تنبع الفتنة: تأملات في تغريدة!

حين تقرأ التغريدة التالية: «أنا من رهط الحق؛ من رهط النبيين والصديقين، من رهط كلمة طيبة أصلها ثابت، رب بما أنعمت عليّ، فلن أكون ظهيراً للمجرمين! RT إن كنت موافقاً»، وهي مجردة من سياقها وموقفها، فإنك ستعجب في أن يقرأها قارئ فلا يضع نفسه في موضع «الأنا» التي تتصدرها، ليكون موصوف الحق والطهر والصدق والخير والنعمة ومن تضعه هذه الصفات جميعاً في مقابل من تنتفي عنهم وتقع في موقع الضد لهم، وهم «المجرمون».
وقد نقول إنه يمكن أن يدعي نسبتها أكثر الناس صلاحاً وخيراً وتقوى وأنفعهم للإنسانية، وبالقدر نفسه يمكن أن يدعيها أمثال بوش الابن أو ابن لادن، بمثل أن يدعيها بشار الأسد وحسن نصر الله والجولاني والبغدادي...إلخ فلا أحد يقبل أن يوصف بالشر، ولا أن يوصف خصمه بالخير، وإلا لكان الشر والخير بلا معنى.
وقد نلمح المرجعية القرآنية في جمل التغريدة ومفرداتها، فنقول لابد أن قائلها مسلم، وعندئذ فلابد أنه يعلن عن عقيدته وخلقه، في موقف نزاع مع غير المسلمين، وامتياز عنهم، فغير المسلمين هنا هم «المجرمون» الذين أشارت إليهم التغريدة، لكن هذا تعميم على غير المسلمين، وليس في عقيدة المسلمين التي تتمثل القرآن الكريم وسيرة الرسول (صلى الله عليه وسلم) أمر بمواجهة شمولية مع غير المسلمين وقطيعة تامة معهم. وعلى الرغم من ذلك فإن الأفظع من هذه الوجهة أن دائرة «غير المسلمين» هذه تتسع لدى جماعات الإسلام السياسي والأصولي، الحزبية والمذهبية، فتأخذ درجات مختلفة تشمل غيرهم ممن يدين بالإسلام، لكنه يختلف معهم سياسياً!
أما إذا أرجعنا التغريدة إلى سياقها، فعرفنا أن قائلها هو الدكتور أحمد بن راشد بن سعيد، وأنه نشرها هذا الأسبوع، فإن موقفها لن يجعل معناها مشاعاً لكل من يرى في نفسه الخير، ولن يكون في قبالة غير المسلمين فقط، بل في قبالة غير أتباعه من المسلمين! وستزداد الدهشة حين نعرف أن المقصود بها على وجه أكثر تحديداً من يختلف معهم من مواطنيه السعوديين!
العبارات القرآنية في التغريدة تحورت – كما يقضي السياق- من الدلالة على الإيمان والخير والدعوة إليه، إلى الدلالة على الموقف السياسي (موقف أتباع ومناصرين) والدعاية له، وتبدلت من عموم الإيماني إلى التعيين الشخصي التاريخي. وهنا تصبح العبارات القرآنية تورية عن النسبي والأرضي والاحتمالي بالسماوي والمطلق والقطعي، في تخييل بالإلزام لمتابعة من تصفه وتبرير لأخطائه وإعذار له ما دامت له وجهة مقدسة، وجهة قرآنية و»خدمة للدين»!
التغريدة حين تنتهي إلى طلب الإعلان لموافقة الأتباع بتدويرها، لا تبقى تعريفاً لقائلها الذي يقيم هويته على التفاصل والتنابذ أبداً مع غيره، بل فرضاً له على غيره، أي المواجهة مع غيره من المسلمين وغير المسلمين، وهذا هو المنبع النكد للفتنة في التاريخ الإسلامي، وهو نفسه أسوأ تجليات الصراع بين المسلمين اليوم...بعضهم بعضاً، وأسوأ تجليات التوتر بينهم وبين العالم، باسم من يزايدهم على دينهم!
ستزداد الدهشة حين نعرف أن المقصود بتغريدة ابن سعيد، على وجه أكثر تحديداً، من يختلف معهم من مواطنيه السعوديين!

zayad.s@makkahnp.com