كي ترى الحقيقة..غيّر نظارتك!
الثلاثاء، ١٣ مايو ٢٠١٤
أشعر أن لا أحد سيقرأ أحرفي هذه، فالصفحة التي أكتب عليها سوداء ولون الكتابة باهت لا يحفّز على القراءة والمتابعة، وثمة شعور وجداني يعتريني لحظة كتابتي لهذه الأسطر أنّ الناس في سبات عميق، أجبرت نفسي على مواصلة الكتابة؛ فالشعور الذي لزمني بأن لا أحد سيقرأ ما أكتب جعلني أفقد الحماسة في التسطير والتعبير، لم تكن شاشتي الحاسوبية مظلمة بتلك الدرجة، ولم يكن لون الخط باهتاً كما رأيت، ولم تكن الحالة بتلك الضبابية التي أشعر بها؛ غير أني اضطررت ليومين متتاليين إلى ارتداء نظارة شمسية ريثما ينتهي محل النظارات من عمل نظارة بديلة لنظارتي التي تهشمت إثر حركة لا إرادية، فلم أجد بداً من ارتداء نظارة شمسية كنت أحتفظ بها في سيارتي، لم أكن متوقعاً أن تتحول حياتي ونظرتي وقراءتي لمن حولي وفهمي لواقعي بمجرد تغيّر لون العدسة التي أنظر من خلالها إلى ما حولي من شخوص وألوان وأشياء، كانت تجربة مثيرة بالنسبة لي جلست أتأمل فيها ولا زلت أعيشها بكل تفاصيلها الإيجابية والسلبية.
العدسة السوداء التي كنت أنظر من خلالها استطاعت أن تؤثر على تفكيري وفهمي للأشياء وأبعادها بدرجة كبيرة، ومع مرور الساعات بدأ فهم جديد يطرأ على عقلي لكثير مما اعتدت النظر إليه بنظارتي الطبيعية فدونكم بعض الأمثلة:
شعور مفعم بالانبساط، وانتعاش وجداني خلاق، بسبب الغيوم الكثيفة والأجواء الجميلة التي كنت أحسُّ بها، ولم تكن تلك الأجواء وذلك الشعور الوجداني الجميل إلا العدسة الملونة التي أثّرت إيجاباً على نظري فانعكس ذلك الأثر على شعوري ووجداني.
فجأة أتضايق من نفسي وخاصة في فترة المساء ولم يكن ذلك الضيق وتلك الكآبة التي كانت تظلل نفسيتي إلا نظارتي السوداء فأخلعها، لأرى الأمور على طبيعتها، وإذ بي أرى الأشياء بلون متغاير وأشاهد ما حولي على طبيعته دون أي تأثير خارجي، فتزول تلك الكآبة وترحل عن نفسي مشاعر الضيق والظلمة. بعض الألوان التي لا تروق لي أصبحت جميلة في نظري، وصرت أثني عليها وأمتدحها، وفي الوقت ذاته صرت أستهجن بعض الألوان المفضلة لدي سابقاً، لم يكن حكمي على الألوان منصفاً على أية حال لأني كنت أنظر إليها من خلال نظارتي الجديدة التي شكّلت ذوقاً جديداً مثلما خلقت حالة من التمايز اللحظي. من الطريف حقاً: أنني كنت أنسى أنني أرتدي نظارتي الشمسية، فكان زملاء العمل يقولون: «سلامات» وبعد برهة أتذكر نظارتي وأوضح لهم حالتي، وبعضهم يستقبلني بضحكة ساخرة فأنظر في عينيه وهو يحملق في نظارتي فأبتدره بعذري ليعرف لماذا أرتدي هذه النظارة الآن، وهكذا فإن الناس أصبحوا يحكمون علي من خلال ما يرون على عيني، وصرت أحكم عليهم من خلال عدستي السوداء.. تلك كانت تجربة برهنت لي أننا نخطئ كثيراً في حق أشخاص وجهات ومؤسسات وأعمال ونوايا وسلوكيات؛ ليست لأنها مشوهة أو قبيحة أو غير جيدة؛ ولكن العدسات التي ننظر من خلالها تجعلنا نفهم الأشياء على غير حقائقها، وننظر إليها بطريقة تعتريها الكثير من الضبابية، إذن لنخلع نظاراتنا السوداء.. سنرى من حولنا على حقيقتهم وهم بالطبع أكثر إشراقاً وجمالاً مما لو نظرنا إليهم بتلك العدسات.