مع الغذامي .. اختلاف أم خلاف؟

الاختلاف في أصل اللغة لا يحمل معنى المنازعة والمشاقة، وإنما واقع الناس ونفوسهم التي لا تحتمل ذلك، وصدورهم التي تضيق عن مخالفة غيرهم لهم يجعل هذا الاختلاف سبباً في المنازعة. لذلك كثير من أهل اللغة يرون أن هناك فرقا بين الاختلاف والخلاف. فالاختلاف هو أن يكون الطريق مختلفاً والمقصود واحداً، والخلاف أن يكون كلاهما أي: الطريق والمقصود مختلفاً، وبمعنى أكثر دقة فإن الخلاف هو خلافٌ في الوسائل والغايات معاً، أما الاختلاف فإنه يختلف في الوسائل مع الاتحاد في الغاية.

في الأيام الماضية كتب الدكتور عبدالله الغذامي مقالاً في هذه الصحيفة عن نقد خطاب تويتر والذي فند فيه مستوى الخطاب والنقاشات واستخدام تعبيرات غير لائقة في «تويتر». وعرض شخصيتي محمد بن عبداللطيف آل الشيخ وأحمد بن راشد بن سعيد مثاليين يرى أن كلاً منهما يستخدم إرثه الثقافي أو التاريخي في معاركه مع خصومه، وغالباً ما يستخدمان لغة الفحش والتجريح مع من يختلف معهما. في رأي أن الغذامي أراد إثبات هذا الفحش من خلال عينةٍ بسيطة تظهر دائماً لذود عن أقطابهم وقت الشدائد والمحن! وقد اتضح ذلك جلياًً من خلال ردت الفعل الساخطة في هاشتاق (الغذامي_يقيم_ بن سعيد_ وآل الشيخ) حيث قوبل الغذامي في هذا الهشتاق بكيل من الرفس والعنف الفظي الذي لم يلاقي له مثيل منذ دخوله ديوانية تويتر فيما أظن. وكما أشار الغذامي في مقاله الآخر تعقيباً على هذا الهجوم «أن من قام بهذا الهجوم هو رهط ابن سعيد، بقيادة منه شخصياً عبر تدوير التغريدات المسيئة». أما آل الشيخ فيا غافلين لكم الله «مافيش رهط بالمرة» يبدو لي أن متابعي آل الشيخ ليسوا محبين له بقدر ما يستمتعون بـ»الطقطقة» على تغريداته.

نعود إلى أنصار إبن سعيد ونسأل هل ما عبروا به تجاه الغذامي يدخل في إطار الاختلاف أم الخلاف؟
بالتأكيد كثير مما قرأناه في هشتاق (الغذامي_يقيم_ بن سعيد_ وآل الشيخ) هو يصنف في مرتبة الخلاف وليس الاختلاف، فقد وصل إلى حد الشقاق والمنازعة الفجة التي يعلوها صوت الشتم والاتهام والتكذيب والقدح وهنا تختلف الوسائل ولا تتحد الغايات أبداً. البعض رأى أن الغذامي لم يناقش الأفكار والمنطلقات بل بدأ وانتهى بنقد الأشخاص لذاتهم، أما أنا فقد رأيت في المقالة نقداً صريحاً وبُعداً عميقاً لواقع مرير كل يوم نقرأه في تويتر، كشفه الغذامي لنا بالأمثلة الواضحة عبر عرضه لخطاب شخصيتين في «تويتر» عرف عنهما التشدد وإقصاء الطرف الآخر، بل إن الغذامي كان ذكياً عندما وقف على الحياد باستحضاره شخصيتين مختلفتين في الفكر والتوجه بعيداً عن الأيديولوجيات في النقد والتقييم. لكن على الرغم من ذلك لم يسلم من سهام الفكر الذي يغّذي الخلاف في الأمة، ويدق إسفين النزاع والانقسام.

لقد استحضرت في مقال الغذامي مقالي الأول في صحيفة مكة ذاتها والذي حمل عنوان «فُجور في الخصومة» وقد سردت من خلاله حواراً دار بيني وبين بن سعيد في تويتر، انتهاء مآله إلى التخوين والتصهين كعادته في الرد على مخالفيه. في كل مرة أقرأ ردود وتغريدات بن سعيد أتساءل كيف لرجل أكاديمي، أن يحمل في صدره كل هذا التحريض والعنف اللفظي؟
حيث لم يعد الأمر يقتصر على النقد الفكري فقط بل تحول إلى ممارسة مسيئة متخمة بكل ألفاظ الشتم والانتقاص لمن يختلف معه، ولو كان الأمر ينتهي بخطاب شخص بن سعيد «نفسه» لما أقمنا له وزناً، لكن المصيبة هي في انتسابه إلى أفضل المؤسسات التعليمية لدينا في المملكة، وهنا «يكمن الخطر» عندما يصبح من يتبنى هذا الخطاب الجائر هو نفسه من يلقي المحاضرات على شبابنا بين أروقة قاعات جامعاتنا! فهذا والله خطأ جسيم لا بد من تصحيحه.