ماذا لو كنت مكانه

سؤال مختل بكل المقاييس، فأنت لا يمكن أن تكون في مكان شخص آخر بمجامع معاني الكلمة. فهل ستعود لبطن أمه وتمتلك نفس جيناته، وهل ستعيش نفس أيام طفولته، وحياته، بخيرها وشرها، بحوادثها وأمراضها، وبالعقبات، والنجاحات والإخفاقات، التي شكلت عقله الباطني، وشخصه الخارجي؟. هل ستحوز نفس العواطف والمخاوف ممن هم حوله، وهل سترد عليها بقدر تفاعله هو؟.
إذا فالحلول مكان شخص آخر لا يمكن أن يكون حتى للتوائم المتطابقين، بوجود اختلافات جوهرية في الاستقبال، والتأثر، والتفاعل، والإرسال!.
نستنتج من ذلك أن الحكم على الناس عادة ما يكون سطحيًا متعجلًا، وقد يكون جائرًا، وفي غير مكانه وزمانه وظرفه.
فالنقد الذاتي السليط يشيع بيننا كمجتمعات، وبقوة وسخافة، فنرى من يستنكر عمل غيره، بالقياس إلى معطياته الذاتية هو، مما يخل بالمعادلة، وينقص من قيمة الآخر.
وحتى في ميزان العدالة، والتي تتمثل تاجًا على رؤوس الأديان والحضارات؛ وقد أصلها ديننا الحنيف بكل المعاني، حتى إن الله عز وجل قد خص نفسه باسم العادل. وفي عدالة البشر، يجب أن يكون القاضي واسع المدارك، متقبلا لجميع الاحتمالات، وقادرا على تخيل الحال كما يراه الأغلبية، وأن لا يصدر حكمه اعتمادًا على مقارنة ذاتية.
القاضي بحاجة للادعاء العام، والذي يكرس الصورة الصارمة، ويؤكد على حقيقة وقوع الذنب، بمنظور عدلي، لا عواطف فيه، ولا تخيل.
والقاضي أيضًا بحاجة للمحامي، والذي يجب أن يكون مُطلعًا على حيثيات القضية من جانب المتهم، ومدافعًا عن فرصه في توضيح مرئياته، ملمًا بجميع التداعيات، وأن يكون قادرًا على استشفاف حالته النفسية، والواقعية، وله تمكن بالقانون، وبمحيط فكري يستطيع من خلاله إظهار الأحداث بوضوح ومن جميع النواحي.
لذلك يستنجد القضاء العالمي بعدد كبير من المحلفين من عامة الشعب، ومن جميع الطبقات يسمح لهم بالاطلاع على مجريات القضية، والاستماع للادعاء والمحامي، ويترك لهم كامل الفرصة للتشاور قبل إصدار رأيهم، فلربما يكون أحدهم يعيش حياة قريبة من ظروف المذنب، فيكون أكثر تفهما لحالته، وبالتالي إعطاء المشورة للقاضي، بقناعاتهم، سواء كانت موجبة أو سلبية.
وكل هذا لا يتنافى مع روح القضاء العادل، بل إنه يجعل القاضي أكثر ثقة في معرفة وجود الذنب من عدمه.
وبالطبع قد يكون كلامي هنا محركًا لمن يعشقون كيل التهم، بأنني أدعو لغير ما أنزل الله، مع أن كلامي واضح كل الوضوح، وأني أريد أن تكون الشورى منهجية بيننا حتى في قضائنا، فلا يتخذ القاضي قراره إلا بعد أن يعرف وجهات النظر المختلفة.
والقاضي لن تهتز مكانته بذلك، لأنه مخير في النهاية بين أن يأخذ برأي الأغلبية، أو غير ذلك.
ولكنه عندما يتبع الأغلبية، فلن يندم مهما كان قراره، ولن يضطر لوضع نفسه في مكان المتهم، لوجود من ينوبون عنه في ذلك.