الأماكن بين إدوارد سعيد ومحمد عبده

أماكن «محمد عبده»، صناعة متكلفة، في بناء «نصٍّ» غنائيٍّ مبتذلٍ في لفظه وباهتٍ في معناه، إذ كُتب بحسٍّ مترهلٍ لا يُجيد الاشتغال على ضبط الدلالات بين الفضاءات المتعددة، كما أنّ النص المكتوب بمجمله -وَفقَ ذائقتي- يشكو فقراً للملمح الجمالي.. بحيث بلغ حدّاً من السفه الشعري -سماجةً- حتى كأنك بإزاء كتابة لحظية لموقفٍ آنيٍّ أعطى «مكاناً» بعينه خصوصية الاشتياق؛ فيما سلب «الأماكن» الأخرى ما أن يكون في الأصل مشتركاً في ضميمة واحدةٍ بين «الأماكن» كلّها.. ذلك أنّ الملامح العامة تظل واحدة لإنسان تلك الأماكن!
ومن هنا.. فـ»المكان» في النًص «المُغنّى» مُشبّع بدال «النزوة»، وتشعر معه بالانتماء لبؤرة جغرافية محددةٍ، وموغلةٍ في الانغلاق، بحسبانها تحيل إلى «أماكن» لم تصغْها تجربة، في حين أنّ القيمة في «النص» بالكاد جعلت من «المكان» جسداً يناغي جسداً آخر في خطابٍ مثقلٍ بالشّفقة حرمانا!، من شأنه أن يشعل لهيب حرقتها (المقام) بصوتٍ طالما أوهم من ينصت إليه بأنّ ثمة «نصاً» فخماً، غير أن الورطة سرعان ما تنكشف إبان قراءته سطرا إثر سطرٍ على نحوٍ يفضح سطحية «النص» وتهافته!
بينما ألفينا «إدوارد سعيد» يمنح «المكان» صفة نوعيّة أحالنا فيها إلى استعارةٍ معرفيّة خلاّقة إذ قال: «لكلّ إقليم جغرافيٍّ في العالم عبقريته».
من هنا.. يمكن القول: يسوغ لمن يقرأ «خارج المكان» لـ«إدوارد سعيد» أن يشهد ولادة مكانٍ من جراء أرشيفٍ ذاكرة تصنع «أماكنها» بمنظومة قيميّةٍ ذات منزع إنسانيٍّ تتسامى فيه الذات لتكون سيدة «الأماكن» كلها وليست «عبدةً» له!
إلى كلّ من تورّط بضيق «الأماكن».. فوجد نفسه أسيراً لقيد «كل شيءٍ يذكرني فيك».. فيمكنك أن تتخلص من أذى هذا القيد بقراءاتك لـ»خارج المكان» على النحو الذي تقيم فيه الحجة على أنّ مفهوم «الأماكن» هو: حرية.. وانتماء.. وجزئياتك (الذريّة) التي تناثرت بين أزقتها المهجورة فكونت منها (حياتك)!
إذن، فالأماكن ليست مجرد رصد لحظة الوقوع في شرك «النزوة» على حساب الفكرة التي تجعل منك إنساناً يملك المكان وما ملكه!