ما حدث في الرحلة (جدة -روما)!
السبت، ١٠ مايو ٢٠١٤
تزامن الأسبوع المنصرم مع رحلتي إلى روما العريقة العام الماضي، لتتداعى صور متلاحقة بين المدينتين، ينقض بعضها بعضا، لدرجة أن شعورا يغمرك بأن المسألة ليست نقضا فحسب، وإنما امتهان وتعرية وشعور بالغبن و(الفضيحة)!..هذا الأسبوع (الرومي) قرأته في دفاتري، مستحضرا أسبوعا مروعا مريرا في جدة!
قضيت أيام الأسبوع الفارط في مراجعة مؤسسات حكومية كثيرة، كنت أحاول داخلها أن أعطل حاسة الشم لدي حد الاختناق بالرغم من ارتدائي (كمام) الأنف، فزعا من رائحة فيروس كورونا المميتة، مع رائحة ما ينضح من الأجساد المتزاحمة حولي!
أما هناك.. فقد كنت أحاول أن أجمع كل الروائح الجميلة، التي تلتف بي من كل جانب في أرجاء روما، التي كان لكل شجرة وزهرة فيها رائحة، تلقي عليك تحايا الأرض بافتنان بالغ!
وفي ظهيرة يوم قائظ من الأسبوع (الجداوي)، أجدني أعود من جديد لارتداء ملابس الخروج استجابة لنداء جاري، الذي تلقى اتصالا من إدارة مدرسة ابنته الثانوية تأمره أن يأتي مسرعا لإنقاذها من غيبوبتها التي كان لها قرابة الساعة من زمن الوجع.. عرفت أن جاري حينها لم يستطع قيادة سيارته بمفرده من هول الصاعقة التي نزلت عليه هائجة مفاجئة، وفي السيارة عرفت أن الوقت لن يسمح له بطرح أسئلة قهر وعجز، سيسألها لاحقا عندما تطمئن حالته: «طيب.. ولو لم يكن جوالي مشتغلا.. هل كانت بنتي ستستمر في غيبوبتها إلى أن يأتي ولي أمرها فقط.. وحتى أمها فربما لن يسمحوا لها بإسعافها».. «لماذا لم يتم استدعاء الهلال الأحمر مباشرة؟».. و»أليس للمدرسة، كمؤسسة حكومية تعليمية كبرى، علاقة بأحد المراكز الصحية المجاورة؟.. وهل لا توجد للطالبات على الأقل (وحدة صحية) يمكن أن يوجد فيها طيف طبيب، يعالج الجسد الغافي»؟!
أما هناك..في روما.. فيا للمفارقة! في اليوم الوحيد الذي خرجت فيه مع صديق عراقي لرؤية مزرعته الفسيحة، حدث ذات الأمر لإحدى بناتي، وحيث إنني كنت بعيدا حينها، فقد نادى الأهل على الفتى (جولياني) في الشقة المقابلة لنا، ليتصل مباشرة على مركز الطوارئ الطبية للحي، ليحضروا في أقل من خمس دقائق، ويأخذوا ابنتي مباشرة، من غير أن يسألوا عن ولي أمرها وجنسيتها ودينها، لكنهم بالتأكيد رأوا أمامهم (إنسان) يحتاج إلى كل دقيقة ألا تضيع، فتضيع حياته معها..
هؤلاء الأغراب..الرومانيون..(الكفار!)، كانوا أكثر رحمة بأطفالنا من أهلنا..كانوا أكثر استجابة
لتعاليم الدين العظيم في التكافل وإجابة السائل والملهوف!
وعندما تعودون إلى أسبوع (جدة) معي فسوف تشاهدون المسلسل الساخر (طاش ما طاش) يحدث لي وزوجتي، في دائرة الأحوال المدنية ونحن في صدد (تعريفها) للوطن.. كان المشهد معقدا مضحكا وزوجتي تقف أمام بوابة النساء الخارجية، وأنا داخل مبنى الأحوال، أخرج إليها ثم أعود من جديد، وفي النهاية وجدت بالمصادفة طالبا (عندي) تكفل بإشفاق بنقل الأوراق والوثائق بيني وبينها (تحت أشعة الشمس)، بعد أن تعبت من الرواح والمجيء بين القسمين، ومن وجع هذا (الغباء) الذي يحرم ويمنع أن أكون مع زوجتي بدلا عن (غربلة) الوسائط، التي لم ينزل الله بها من سلطان، كما كانت نساؤنا يستعن بـ(وسائط ذكورية) يجهلنها -من الشارع- لتعريفهن في الدوائر الحكومية (بمقابل مادي) أحيانا!
وإذا كان ذلك المشهد المفعم بالريبة والوجل والعرف المصطنع، يهدف إلى (تعريف) إنسان (معروف) كامل القيمة للوطن، فقد صادفت في اليوم ذاته من العام الماضي قيام علماء إيطاليين بأعمال حفرية أنثروبولوجية طبية (للتعرف) على هوية شخصية (غائبة) (فنية) (عامة) وهي صاحبة (الموناليزا)، التي قام الهائل دافنشي برسمها خلال 15 عاما، لتصبح أغلى اللوحات الفنية في العالم، وأكثر الأعمال إثارة للكشف وطلبا (للتعريف)..وبالتأكيد فإن التعرف على هوية شخصية فنية غائبة، ذات قيم فنية ومعرفية له ما يبرره منطقيا وعقليا، بعكس (طاش ما طاش) لدينا، والذي أضاع علينا أوقاتا ثمينة للتعريف بشخصيات حقيقية (ربما كانت أمهات كاملات الأهلية يضطررن إلى أبنائهن ذوي الـ 18 عاما لتعريفهن)!
ومن مصادفات هذا الأسبوع (الجداوي) أمسية شعرية تبدو في نسختها (الألف)، إذ الشاعر هو الشاعر، والناقد هو الناقد، والتي أصابني (خبرها) بغثيان (المرور) في الدوائر الضيقة الساكنة النمطية المكررة، لأتذكر (ربما) في اليوم ذاته المهرجان الفني الذي أصابني بما يشبه الإغاثة الروحية الفنية للفقر الذي نعيشه داخليا، بسبب تلك الأمسيات البائدة. فعند خروجنا من (الكولسيوم)، وجدنا الساحة التي يتوسطها تمثال مارك أنطونيو، تعج بالألوان الزاهية والرقصات الشعبية من كل قارات العالم، تحت شعار إنساني يغني للسلام والفن والمحبة، وربما كان ذلك المهرجان قد سبق في أسبوعي (الرومي) مهرجان روما السينمائي، الذي كان حقا كرنفالا باذخا وخالصا للفن السينمائي واللوحة التشكيلية والموسيقى، والقصيدة في أقصى درجات تحولاتها ومغايرتها ودهشتها!
وختاما.. أعتقد أننا ندرك الآن لماذا كل تلك (الحوسة)، التي نحن فيها، والتي تجعلنا نبتعد مع مرور الزمن عن تلمس أطياف الحضارة.