مستقبل (BBC) في خطر

علينا أن نشعر بالحزن من أجل كريس باتين بعد الأنباء بأن العملية الجراحية التي أجريت لقلبه أجبرته على التقاعد من رئاسة إدارة هيئة الإذاعة البريطانية (BBC). اللورد باتين حقق نجاحات عدة في عمله العام، من بينها كونه آخر حاكم بريطاني لهونج كونج وأن حزب المحافظين حقق آخر انتصار سياسي له عندما كان باتين يرأسه في 1992.
على عكس ذلك، كانت الفترة التي قضاها اللورد باتين في الـ(BBC) سيئة وغير ناجحة. فقد أظهر أنه لم يستطع السيطرة على الأمور وأنه يفتقر إلى مميزات القيادي الناجح. فقد كرس جهوده مرات ومرات لإخفاء صورة العجز والجشع والفساد الأخلاقي لأعلى هيئة إدارية. هذا لم يكن جيدا لـ(BBC)؛ عوضا عن ذلك، قدم هذا الكثير من التشجيع لأعداء هيئة الإذاعة البريطانية، والذين يشملون عمالقة كبار في عالم الإعلام مثل روبرت مردوخ وصولا إلى اليمينيين الذين يعتقدون أن الـ(BBC) يجب أن تُباع، كليا أو جزئيا، إلى القطاع الخاص.
هناك حاجة ماسة للدفاع عن الـ(BBC) من قبل حزب المحافظين، ويجب أن يبدأ ذلك بالتمييز الأساسي بين مبادئ وفكر حزب المحافظين وبين السوق الحر. المحافظون يؤكدون الشكوك حول مخططات التغيير الراديكالي؛ بينما أن السوق الحر هو نظام اقتصادي دمر العديد من الأشياء التي يقدرها المحافظون عاليا. من المنطقي تماما أن يكون المرء محافظاً وأن يقلقه في نفس الوقت السوق الحر. فكر المحافظين المقلق يتضمن الاعتراف أن المجتمعات تعني أكثر بكثير من مجرد قانون العرض والطلب.
هناك جوانب كثيرة في الحياة البريطانية خارج مجال السوق، وهذا أمر يدعو إلى التفاؤل. إحدى هذه الجوانب هي الـ(BBC). مثل النظام الملكي، نظام الرعاية الصحية، والقوات المسلحة، الـ(BBC) جزء من المجال البريطاني المشترك. وهي من نوع المؤسسات المجربة والمألوفة والمحبوبة بعمق التي على المحافظين أن يدافعوا عنها بقوة.
لكن المؤسسات الكبيرة، مهما كانت رائعة، يمكن أن تخطئ. الإدارة العليا في الـ(BBC) أدارت ظهرها إلى قيم هذه المؤسسة العريقة وخانت الناس الذين يفترض أن تخدمهم، وبدلا من أن يسأل كبار المسؤولين فيها عن الطريقة التي يخدمونها فيها، كانوا يبحثون عن الطريقة التي تخدمهم بها الـ(BBC). اللورد باتين ارتكب خطأ اعتبار أن هجوم الصحافة على جشع وسوء إدارة (BBC) كان هجوما على المؤسسة نفسها بدلا من اعتباره هجوما لتنظيفها. هذا هو السبب الرئيسي الذي جعل اللورد باتين يفشل في مواجهة ثقافة الإدارة العالية الفاسدة. رحيله يعني أن هناك الآن فرصة رائعة لاستعادة المبادئ العليا للخدمة العامة والنزاهة التي كانت تقليديا في قلب هذه المؤسسة العريقة. على وزير الثقافة استخدام هذه الفرصة لهدم مجلس إدارة الـ(BBC) الذي كان أحد النتائج الكارثية للتعديلات الدستورية التي قام بها توني بلير. أحد أسوأ نتائج إيجاد هذا المجلس، الذي يسمى (بي بيس ي تراست)، هو أنه لم يعد أحد يعرف من المسؤول عن ماذا.
ليس هناك أي سبب يجعل الرئيس الجديد للـ(BBC) يأتي من نفس الدوائر المعتادة. اللورد ريث، الذي كان أول رئيس لهذه المؤسسة والأكثر نجاحا، لم يذهب إلى الجامعة مطلقا. بريطانيا تحتاج إلى قائد يقف على رأس الـ(BBC) ويقضي على ثقافة الفساد التي دمرتها. المشكلة أن عملية الاختيار في يد وزير الثقافة الذي لا يعرف شيئا عن الإذاعة أو الموسيقى أو الأدب أو الفنون. من الصعب العثور على شخص أقل كفاءة في هذا المنصب.
لقد برزت هذه الأزمة لأن رئيس الوزراء السيد دافيد كاميرون اختار أن يدير حكومته بطريقة غريبة وفريدة: فهو عمليا لا يلعب أي دور في اختيار أعضاء حكومته. عملية اختيار الوزراء من الحزب الليبرالي الديمقراطي، وفقا لبنود اتفاقية التحالف بين الحزبين، وضعها نائب رئيس الوزراء ورئيس الحزب الليبرالي الديمقراطي نيك كليج. كما سمح السيد كاميرون لوزير الخزانة في حكومته، السيد جورج أوزبورن، باختيار الأعضاء الجدد في الحكومة وأن يكون صاحب القرار في كثير من الترقيات في المناصب غير القيادية. ومن المعروف أن السيد أوزبورن هو المسؤول عن اختيار وزير الثقافة الحالي ساجد جافيد، ولذلك فإن أوزبورن هو الذي سيتولى عمليا تعيين مدير الـ(BBC) القادم.
رئيس الوزراء دافيد كاميرون يحب أن يقضي وقته مع عائلته، وربما يكون سعيدا أن هناك أشخاصا من الدائرة المحيطة به أسسوا مراكز قوة لهم قبل أن ينتقلوا إلى مراكز القيادة عندما يحين الوقت. لكن من غير المقبول على الإطلاق أن يكون لوزير الخزانة، أو لأداته وزير الثقافة السيد ساجد جافيد، أي علاقة في مستقبل هيئة الإذاعة البريطانية (BBC). على السيد كاميرون أن يتولى هذا الأمر بنفسه.