إبطال السبب عمن حكم بتبديع المجتهد في رجب
السبت، ١٠ مايو ٢٠١٤
الكلام في رجب وما ورد فيه ليس وليد اليوم، بل هو حديث الناس منذ قرون طويلة، بين داعين إلى الاجتهاد فيه، ومانعين، ومبالغين في المنع إلى درجة التبديع، تلك الشنشنة التي نعرفها من الأخزم الذي نعرفه.
ولأن المقام لا يحتمل التفصيل العلمي في مثل هذه المسائل سأوجز الكلام على شكل رؤوس أقلام كي تتضح لغير المتخصصين ممن يُعدّون ضحايا لكثير من المجازفات الفقهية والفتاوى المنقولة بانتقاء وبنوازع مذهبية، وبعيدا عن أقوال العلماء واختلافهم في ذلك من الماضين والمحدثين.
أولا- شهر رجب هو أحد الشهور المعظمة عند الله وهو من الأشهر الحرم، والذي لا يجهله أحد أن الأشهر الحرم من الأزمنة التي يشتد فيها الإثم لشرفها الزماني عند الله، ومن تتبع أسرار الشريعة علم أن أغلب الأزمنة أو الأماكن التي تعظم فيها الخطيئة يعظم فيها العمل الصالح كذلك، وأقول الأغلب حتى لا نعمم القاعدة، والدليل على ذلك من الأزمنة رمضان ويوم عرفة وعاشوراء ويوم الجمعة وأمثال ذلك، ومن الأماكن الحرمان الشريفان والمساجد وأمثالها.
وإذا كان المسجد الحرام سمي حرما لحرمته من التعدي وتجاوز الحد والعمل فيه مضاعف بالخير أو بالشر، فإن الأشهر الحرم محرم فيها القتل والاعتداء ولها أحكام واستثناءات والعمل فيها معظّم كذلك إن بالنص كما سيأتي أو بالقياس المكتمل الشروط لمن أنكر النص، بل يُعدّ داخلا في حكم الخارج عن الخفاء قياسا وقد قرر العلماء أنه لا يحتاج إلى قياس، وإن احتاج إلى قياس فلا يشترط القياس تمام المشابهة ولا يكتفى فيه بأدناها بل يُعدّ فيه ما يشير إلى المأخذ كما ذكر الزركشي في البحر.
وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر أربع عمرات ثلاث في ذي القعدة والرابعة أحرم فيها للحج في أواخر ذي القعدة، كما ورد فضل العمل في الحج وورد فضل العمل في محرم وجاء فضل العمل في رجب، فلماذا يستثنى رجب من التشريف برغم ثبوت الحكمة من ذلك نصا وقياسا؟
ثانيا- أشهر ما ألف في رجب هو كتاب (تبيين العجب بما ورد في رجب) للإمام ابن حجر شيخ الإسلام رحمه الله. وأكثر الأحاديث التي نقلها حكم عليها بالضعف أو بالوضع. ولكنه اعترف بصحة عدد من الأحاديث منها:
ما رواه النسائي وأبو داود وأحمد وابن خزيمة من حديث أسامة بن زيد قال: قلت يا رسول الله: لم أرك تصوم من الشهر ما تصوم في شعبان. قال: ذاك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان).
قال ابن حجر: فهذا فيه إشعار بأن في رجب مشابهة برمضان، وأن الناس يشتغلون من العبادة بما يشتغلون به في رمضان، ويغفلون عن نظير ذلك في شعبان لذلك كان يصومه، وفي تخصيصه ذلك بالصوم إشعار بفضل رجب، وأن ذلك كان من المعلوم المقرر عندهم. ويعني بقوله (عندهم) النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة.
أما ما قاله في أول رسالته من أنه لم يصلح في فضل رجب ولا في صيامه حديث صحيح فهو مناقض لقوله الآنف وليس فيه وجاهة. لأن الحديث الذي مر يعدّ بمثابة التصريح بفضل رجب، وهو ما قرره ابن حجر في التعليق عليه وما لا يجادل فيه صاحب نظر.
قال ابن حجر رحمه الله: وروينا في كتاب أخبار مكة لأبي محمد الفاكهي بإسناد لا بأس به، عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: لا تتخذوا رجبا عيدا، ترونه حتما مثل شهر رمضان، إذا أفطرتم منه صمتم وقضيتموه.
وقال عبدالرزاق في مصنفه عن ابن جريج، عن عطاء، قال: كان ابن عباس ينهى عن صيام رجب كله، ألا يتخذ عيدا، وهذا إسناد صحيح. انتهى كلامه.
فهل ينكر أحد يزعم أنه صاحب عقل ناهيك عن العلم، بأن هذا القول الصحيح السند عن ابن عباس فيه إثبات لصيام رجب؟ وأن المتعارف عليه هو الاجتهاد في رجب بالصيام خاصة والعمل عامة؟ غاية الأمر هو النهي عن صيامه كاملا لئلا يتخذ عادة فيظن الجاهل أنه فريضة.
ويروي ابن حجر من سنن سعيد بن منصور بسنده إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يضرب أيدي الرجال في رجب إذا رفعوها عن الطعام حتى يضعوها فيه ويقول: إنما هو شهر كان أهل الجاهلية يعظمونه. وذكر أنه روي عن أبي بكرة رضي الله عنه. وقد فسر ابن حجر ذلك النهي لمن كان يصومه معظما لأمر الجاهلية. على أن هذه الرواية لم تصح عن عمر رضي الله عنه فلا يلتفت إليها، كما أنه ذكر رواية أبي بكرة بصيغة التضعيف.
ثم يأتي برواية عبدالرزاق في مصنفه عن داود بن قيس عن زيد بن سلمة قال: ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم قوم يصومون رجب فقال: فأين هم من شعبان؟ ووردت رواية أخرى عن عائشة في قصة أم أزهر بن سعيد.
فهل في مفهوم الخطاب لقول النبي صلى الله عليه وسلم «فأين هم من شعبان» ما يدل على نفي الاجتهاد في رجب وعدم الإقرار لفعلهم؟
الصحيح أن هذه الرواية تفسرها الرواية الصحيحة من حديث أسامة السابق من أنه كان صلى الله عليه وسلم يكثر الصوم في شعبان لغفلة الناس عنه بين رجب ورمضان، ولا يصح تفسير الروايتين بفصلهما عن بعضهما بل هما مبينتان لما أشكل، هذا إن ثبت أن هناك إشكالا وإلا فمفهوم الخطاب أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينه عن رجب بل نبه إلى شهر فيه فضل غفل عنه الناس وهو شعبان.
وممن ألف في رجب الإمام المحدث الملا علي قاري رحمه الله في رسالة بعنوان (الأدب في رجب) وهو من حملة راية الحديث على رأس الألف وناهيك به علما وفضلا وسنة.
قال رحمه الله «قد جاء في فضائل صومه أحاديث ضعيفة، تصير بكثرة طرقها قوية مع أن الأحاديث الضعيفة الأحوال معتبرة في فضائل الأعمال». ثم ذكر عن (المنوفيّ أن صاحب «ترغيب الطالب في أشرف المطالب» رأى بخط الحافظ الدميري: عن ابن عباس مرفوعا «من قال في شهر رجب وشعبان: أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه توبة عبد ظالم لنفسه...» الحديث. قال المنوفي: ويكفينا في ثبوت وروده اعتناء الحافظ الدميري بنقله بخطه ساكتا عليه، ولو كان موضوعا لبينه، وأقل مراتبه أن يكون ضعيفا...).
قال القاري (واعلم أنه يتحصل من جميع ما ذكر أن شهر رجب له بعض فضيلة بالنسبة إلى سائر الشهور، فما يفعله الناس من إكثار الاعتمار فيه وكذا إخراج الزكاة وغير ذلك من أعمال الأبرار فلا شبهة في جواز ذلك ومزيد الأجر والثواب هناك، ولا معنى لنهي بعض العلماء عن الصيام فيه وقوله: إنه بدعة... إلخ).
وتلحظ هنا أن الإمام القاري لم يذكر حديثا صحيحا برغم هذا الانتصار لرجب، فكيف وقد ثبت عند غيره أحاديث صحيحة في فضله، وهو في كتاب الله من الأشهر الحرم الذي ذهب إلى تعظيم الإثم فيه والأجر، كذلك عدد من علماء السلف والخلف.
أليست البدعة هنا هي في تحريم الاجتهاد فيه وتبديع المجتهدين والسالكين؟