اليمن الجنوبي .. الانفصال الناعم

فتحت استقالة الرئيس اليمني عبدربه منصور هادي ورئيس حكومته خالد بحاح الباب أمام صراع مفتوح على ميراث شرعية هادي بين القوى المتنافسة على النفوذ في بلد غارق في الفوضى والأزمات.
ولا شك أن بوادر انفصال ناعم للجنوب تلوح في الأفق مع اقتراب عزلة دولية وإقليمية على الشمال بفعل مليشيات الحوثي وقوى النفوذ القبلية التي أفرغت مضمون المبادرة الخليجية من محتواها وأعادت الأمور إلى المربع الأول من 2011، فضلا عن بوادر حرب أهلية، وتمدد لتنظيم القاعدة مستغلا حالة الصراع القائمة.
كل هذه الاحتمالات واردة في سيناريوهات مستقبلية، بغض النظر عن التكهنات المحتملة بشأن الخاسرين والمستفيدين من الخطوة التي أقدم عليها الرئيس هادي.

المستفيدون

يرى المراقبون أن الحراك الجنوبي من أبرز المستفيدين من هذه المواقف التي تعزز موقفه المطالب بالانفصال عن الشمال والعودة إلى ما قبل 1990، كما أن الرئيس السابق علي عبدالله صالح مستفيد من هذه الخطوة التي قد تعيده لواجهة الأحداث السياسية بعد أكثر من 3 سنوات على الثورة التي أطاحت بحكمه، إلى جانب تنظيم القاعدة في جزيرة العرب الذي يعد من أكبر المستفيدين من الوضع الجديد الذي يرجح أن يشهد انفلاتا أمنيا سيسمح لعناصر التنظيم بالتحرك بحرية في البلاد.

الخاسرون

ويرى آخرون أن قبائل مأرب شرق اليمن من أبرز الخاسرين بعد أن كانت تعول على الدولة لحمايتها من تمدد الحوثيين وعناصر القاعدة.
وأن الحوثيين باستقالة هادي خسروا غطاء شرعيا حرصوا في وقت سابق على الإبقاء عليه لتفادي أعباء السلطة وكانوا يطالبون بمزيد من الوقت لاستثمارها بتعيين نائب للرئيس منهم، وهذا لم يتحقق على الرغم من ترحيبهم باستقالة هادي إلا أنها تضعهم في مأزق بعد أن فشل مسعاهم للإطاحة بهادي مفضلين ممارسة سيطرتهم على رئيس ضعيف بدلا من تحمل أعباء السلطة.
كما أن الاستقالة تضع علاقات بالرئيس السابق صالح على المحك بعد أن ربطتهما عداوة مشتركة للسلطات في صنعاء، لكن الطرفين حاليا سيدخلان في صراع على النفوذ في البلاد، وستشهد الأيام المقبلة مسارين إما تحالف صالح مع الحوثي لاقتحام مأرب ومن ثم الجنوب أو صراع الطرفين على السلطة والنفوذ.

مفترق طرق

يؤكد الخبير العسكري العقيد مسعود القرشي لـ”مكة” أن الوضع في اليمن خطير والمجتمع الدولي سيدعم انفصال الجنوب، وإذا ما حدث ذلك، فإن عبدالملك الحوثي وجماعته سيتحملون المسؤولية الكاملة عن تشظي اليمن في حال أُعلن الانفصال، وأنه من الصعب تكرار اجتياح الجنوب، وإخضاعه للوحدة مرة أخرى، كما حدث في حرب صيف 94، لأن الوضع اختلف والقضية الجنوبية أضحت مطلبا جماهيريا، والعالم سيدعم سياسيا وماليا وعسكريا، انفصال الجنوب.
لهذا فإن جماعة الحوثي وقوى النفوذ في الشمال تقف على مفترق طرق، إما انفصال الجنوب أو حروب أهلية مفتوحة، ولذلك يتوقع الجنوبيون شنّ حرب جديدة عليهم، لكن هذه المرة يقولون إنها مختلفة نوعا ما بفعل الظروف الإقليمية والدولية الداعمة لهم، فقد بات هناك بيئة شعبية وسياسية مقاومة أضحت تعتبر أن الانفصال ضروري، بل بمثابة مسألة “حياة أو موت”.
ويتصدر الحراك وبقية مكونات الجنوب المشهد، ويقودون انفصالا ناعما بتمكين اللجان الشعبية وقوات الجيش والأمن التي ما زالت متماسكة في الجنوب وتخضع لقيادة اللجنة الأمنية لإقليم عدن.

الفرصة مواتية

يرى القيادي بالحراك الجنوبي أحمد الزماني في حديث لـ”مكة” أن الجنوبيين يرون أن الفرصة ملائمة لاستعادة دولتهم وفض الشراكة مع الشمال وإنهاء الوحدة، معتبرا أن اليمن اليوم ليست دولة مستقرة بعد أن سيطر الحوثيون على الحكم في الشمال، مطالبا كافة أبناء الجنوب باقتناص اللحظة وإقامة دولتهم بعيدا عن صراع الشمال.

أمنية عدن

استنفر الجنوب بكل أطيافه ضد ما تعرض له الرئيس هادي والقيادات الجنوبية بصنعاء من إذلال متعمد من قبل الميليشيات الحوثية وحلفائهم القبليين في الشمال، حيث عقدت اللجنة الأمنية في عدن اجتماعا استثنائيا، وقررت الحفاظ على المؤسسات العامة والخاصة، وعدم تسلم الوحدات العسكرية أي توجيهات إلا من محافظ عدن والمحافظين في الإقليم الجنوبي.
كما رحبت قبائل محافظة أبين الجنوبية التي ينتمي إليها الرئيس هادي باستقالته واعتبرتها خطوة تاريخية شجاعة وجريئة جاءت في الوقت المناسب وإعادة الاعتبار للكرامة الجنوبية التي أذلتها وحدة الضم والإلحاق والاحتلال اليمني للجنوب منذ اجتياحه في الغزو العسكري عام 94.

تقرير المصير

من جانبه أعلن القيادي ومؤسس الحراك الجنوبي العميد ناصر النوبة انفصال جنوب البلاد، والاستقلال عن الشمال، وأن الانفصال عبارة عن إقليمين في الدولة الجديدة.
وتسارعت خطوات أبناء الجنوب للوقوف صفا واحدا في سبيل قضيتهم المركزية حيث أكدت قيادة مجلس الإنقاذ الوطني الجنوبي تمسكها بحق شعب الجنوب بمواصلة النضال السلمي حتى تحقيق الغاية والهدف وطالبت أبناء الجنوب بالتمسك بهذا الحق المشروع حتى انتصار ثورته السلمية.
ودعا أبناء الجنوب بعدم التأثر العاطفي بما يدور من صراعات سياسية وتطورات الأحداث في صنعاء وتحكيم لغة العقل والثبات وعدم الانجرار والالتفات للدعوات المشبوهة التي تحاول جر أبناء الجنوب وإقحامهم في هذا الصراع على حساب مسيرة ثورتهم السلمية وهدفها في الحرية وتقرير المصير واستعادة دولة الجنوب.
كما دعا مجلس الإنقاذ الوطني الجنوبي المجتمع الدولي والإقليمي ممثلا بمؤسساتهم الشرعية لتبني مبادرة تقوم على أساس الندية بين الشمال والجنوب.