ربيع أو خريف.. آن الأوان للاستقرار
الأربعاء، ٧ مايو ٢٠١٤
اختلف العامة في الوطن العربي، وقبلهم المثقفون وأهل السياسة، ولربما أن الاختلاف ساد حتى عالم تجار الأسلحة وقطاع الطرق، حول تسمية الثورات العربية، والموجب للإشارة أن في القوم من سار مع المتحرك على السطح واقتنع بأن الثورات العربية مولود خرج من رحم معاناة الشارع وهويته مربوطة في معصمه تحت اسم “الربيع العربي”، وثمة من تخيل تساقط الأوراق وتجرد الأشجار من كسوتها وأسقط الحالة على الحدث.
عموما، يظل عدم توافق الرؤى، علاوة على أي تباين في شأن مسمى الثورات العربية أينما حدثت، في حالة ارتباك أمام قناعة حمالة المعاناة في الضرورة الحتمية لوجود الحدث بحده الأعلى لإجراء التغيير وفرضه على الواقع، وقد حدث ذلك وهو الأعظم شأنا.
المتوقع أن يختلف الناس على الحدث نفسه من الأساس، بين مؤيد يتوق فعلا إلى “وجه آخر للحياة” وبين غير مؤيد يرغب في “بقاء الحال على ما هو عليه” لأسباب تنقسم على صفة وعوائد الوضع قبل الثورات العربية، والخاتمة كما يصورها المشهد تكشف أن الغلبة تظل دون منازع لمحركي عجلة التغيير وأتباع دورانها، حتى وإن حرك البعض الحديث على هامش الأحداث بمهارة الإضافة وتفصيل الأحداث على مقاسات الرغبات، وحتى لو مال بعضهم إلى النزعة الحادة في الجدل وطبق فن الحدة في النقاش للمزايدة ومحاولة اختراق القناعات.
مهما كان ومهما قيل، كل الفصول سواء ربيعا أو خريفا أو غير ذلك، تشكل عنوانا عريضا لتراكمات التعب والألم بين شعوب دول الربيع العربي أو الخريف، التسمية لم تعد مهمة، المهم ألا تستمر “المعاناة”. لا أعني “الثورات” لأن الأخيرة توقفت عند الحد المناسب، وأعطت فيما أعطت إلى جانب إراقة الدماء في وضح النهار ووسط الليل وآخره، دروسا وعبرا و”إنذارات مبكرة” لأولي الألباب، ومع ذلك أعطت فرصا ثمينة للمرتزقة وتجار الشنطة، وأخرجت من بطن الحزبية من حبا وسقط، وهكذا عدلت ووفت المكيال وكسرت ظهر الاطمئنان إلى ثبات الكرسي الوثير، وكشفت في طريقها عن “الوجوه المقنعة” هنا وهناك، ووقع البعض في فخ الحسابات الخاطئة وانكشف مستوره، وهيهات أن يلملم الجمال بضاعته المتناثرة في الطرقات.
قلت في مقال سابق ما معناه، أن الثورات العربية هزت القبة وتساقط الوهم من كل الشرفات وأخرجت الناس إلى الضوء، ليطلقوا سراح المحبوس في النفوس عن حاضرهم ومستقبلهم الذي يرغبون.
على أية حال، في مسرح أحداث الربيع العربي في أي مكان اجتاحه، مؤشرات واضحة تدل على الدوافع بوضوح، وتكشف عن التشابه المكوّن للقاسم المشترك المتمثل في المعاناة “بسط الثورات ومقامها” ليتجه الرأي العام على الهامش إلى الإيمان بأن الضغط ما هو إلا عملية لإنتاج المعاناة وهي، أقصد المعاناة، لا تسجن الوعي، لا تقتله ولا تخفض الصوت كما يظن البعض.
المعاناة حقا أقوى محرك للوعي، وأكبر رافع للصوت، وأسرع دافع للحركة.. الوعي مشروع الاستثمار الناجح لتعريض الآمال ودفع عجلة التغيير إلى ما هو أفضل، ولهذا لم يكن يوما من السوء بمكان إلا في ردهات المدرسة الدكتاتورية وعقول أتباعها.
الخلاصة: إن كسب رهان اكتمال النجاح وجني الثمرات في الأخير، معقود على “الوعي” الذي استجاب في البداية لنداء المعاناة، وحرك شوارع بعض الدول العربية. وهو اليوم، أكثر من أي وقت مضى، مطلوب للحضور ومعني بالتحرك “يقظة وإدراكا” لتهيئة الأجواء وتعبيد الطرق لتسوية الأوضاع والعمل على صد أي عملية تعطيل تحول دون وضع الأمور في نصابها، حتى لا تحفظ المعاناة مكانها رغم كل ما حدث من تضحيات، لقد آن الأوان للاستقرار، كفى معاناة.