الثانوية العامة بين جيلين

إلى عهد قريب، وقبل أن يخترعوا لنا اختبار القدرات والتحصيل، كانت المرحلة الثانوية، وخاصة في سنتها الأخيرة التي يحتسب فيها المعدل والتقدير تشكل للطلاب وأولياء الأمور، على حد سواء، بل وللأسرة كلها، هاجسا كبيرا، لما لها من أهمية بالغة وكبيرة في تحديد مصير ومستقبل الطالب في المرحلة الجامعية، لذا كان لهذه المرحلة في النفوس هيبة عظيمة ومنزلة خاصة ومكانة رفيعة، ولكن من وجهة نظري الخاصة، كان هذا الإحساس جميلا جدا، أقول ذلك حتى لو غضب مني البعض.
أذكر أن طالب ذلك الزمن، كان عندما يصل إلى الصف الثالث ثانوي، يبدأ في تغيير نظام حياته بشكل عام، ويحرص على ترتيب وتقسيم وقته والاستفادة منه، يساعده في هذا أسرته التي تحاول بقدر المستطاع أن توفر له الجو المناسب للدراسة للحصول على النجاح وبمعدل عال وتقدير مرتفع يؤهله إلى الدخول إلى الكلية التي يرغبها.
اسألوا الذين جلبوا لأولادنا اختبارات القياس، والذين كانوا من هذا الجيل، اسألوهم كيف كانت الثانوية العامة في زمانهم؟ اسألوا ذلك الجيل الذي لم يخضع لاختبارات القدرات ولا التحصيل، ورغم ذلك لدينا منهم عشرات الآلاف من البارعين والمخترعين والمكتشفين في العديد من المجالات، البعض منهم ذاع صيتهم وعرفوا واشتهروا على مستوى العالم، وكانوا مصدر فخر واعتزاز لنا، ووجها مشرقا ومشرفا لبلادنا بنبوغهم وبعلمهم وتفوقهم، هؤلاء درسوا الثانوية في بلادنا على نظامها القديم، اسألوهم كيف كانت الثانوية العامة؟
كان الذي ينجح من الثانوية العامة بمعدل 98 % وما فوق، يصبح حديث المجالس. لماذا لم تعد الثانوية العامة بتلك القيمة والأهمية مثل ما كانت؟ لماذا انطفأ بريقها وانطفأ معه الحماس عند طلاب هذه المرحلة؟ عندما أسمع من بعض طلاب الثانوية العامة وهم يرددون هذا الكلام، وهو: (ما الفائدة نجتهد ونتعب وفي النهاية قد نقع بفخ اختبار القدرات والتحصيل، ولا نحصل على درجات عالية؟ لأن المهم في النهاية، هو كم درجات اختبار القدرات والتحصيل؟ وليس كم النسبة والتقدير في الثانوية العامة. فجامعاتنا أصبحت تعتمد على درجات القدرات في عملية القبول أكثر من اعتمادها على نتيجة الثانوية العامة، وهذا يعني أن تعب ومجهود السنوات الثلاث، لن يؤخذ منه إلا القليل، وما تبقى يرمى جانبا ويضيع سدى لا فائدة منه، هذا بخلاف السنة التحضيرية. عندما أسمع مثل هذا الكلام، أشعر بمدى حجم الإحباط واليأس الذي وصل إليه طلاب الثانوية العامة، وأن الرغبة في الدراسة والتحصيل العلمي والحماس والتنافس الذي كان موجودا في السابق والذي كان سمة من سمات هذه المرحلة لا وجود له الآن. طلاب مشتتو الذهن والتركيز، لا يعرفون (من فين يلاقوها)، من اختبار القدرات، أم من التحصيل، أم من السنة التحضيرية، أم من دفع الرسوم المائة ريال بعد المائة؟!
وبمناسبة السنة التحضيرية، لماذا لا يلغى اختبار القدرات والتحصيل في ظل وجود السنة التحضيرية؟ الغريب أن بعض الدول العربية الأكثر منا في عدد السكان، والأقل منا موارد لا تزال الثانوية العامة بها على حالها ووضعها وقيمتها وأهميتها، لم تمسها أيادي التغيير.